الصفحة 141 من 596

والواقع أن الدولة العباسية قد أكدت هذا المضمون الحضاري للقومية العربية، وهو مفهوم أصيل سبق العباسيين بأجيال.. إنه جزء من التراث العربي منذ أحقاب عريقة.. ذلك أن العرب قد عرفوا أنفسهم بأنفسهم منذ القدم بأنهم قسمان.. العرب العاربة وأبوهم قحطان، والعرب المستعربة وأبوهم عدنان.. ولذلك حديث طويل لا مجال لسرده.. ولكن المهم أن الاستعراب قديم في الأمة العربية وهذا ما لم تفعله أمة أخرى. وأن الاستعراب ظل ولا يزال"عملية"قائمة مستديمة... واعتلاء البرامكة أعلى مناصب الدولة كان من أبرز مظاهر الحكم العربي الوحدوي في الدولة العباسية .. وسيظل مصدر الهام للأجيال العربية المتلاحقة.

ومن غير أن يكون للدولة العباسية دستور مكتوب فلم يكن للتمييز العنصري أو الطائفي كذلك أي مكان في الحياة العامة، فقد بقيت الجماعات غير العربية في الدولة محافظة على تقاليدها ولغاتها الأصلية، وبهذا استمرت اللغة السريانية في سوريا والعراق متداولة إلى زمن غير قليل، وعاشت اللغة القبطية في مصر حقبة يسيرة ..

هذا بالنسبة للأقليات اللغوية، أما بالنسبة إلى الأقليات الدينية فإن الأمر كان واضحًا كل الوضوح، فقد تقلد النصارى واليهود مناصب هامة في دوائر الدولة وفي مجال المهن الحرة، وكانت الحرية الدينية متوافرة إلى أبعد الحدود، تشهد على ذلك النقاشات الدينية التي كانت تجري في قصور العباسيين، ومثل واحد على ذلك أن بطريق النساطرة ألقى دفاعا عن النصرانية أمام الخليفة العباسي المهدي، والنص الكامل لهذا الدفاع موجود في المراجع التاريخية القديمة .. ومثلها مناظرة جرت عام (819) في حضرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت