الصفحة 40 من 596

ولهذا لم يكد يطل القرن العشرون، إلا وقد أثمرت هذه الحملة العلمية شيئًا من الحصاد.. لا عند الجماهير العربية، فهذه تملك حصانة طبيعية لا يمكن النفاذ إليها، ولكن لدى بعض المثقفين الذين قرأوا كتب المستشرقين أو تثقفوا على أيديهم.

ففي الجزائر، مثلًا، وقد طال فيها عهد الاستعمار الفرنسي، دعا عدد من المثقفين الجزائريين إلى الاندماج في الدولة الفرنسية والمطالبة بالرعوية الفرنسية والتمتع بحقوقها وواجباتها، ومن ذلك ان السيد عباس فرحات قد بلغ به الأمر، أن كتب مقالًا أنكر فيه وجود وطن جزائري، وكان عنوان المقال"لو أنني عثرت على الوطن الجزائري"أكثر دلالة من المقال نفسه..

وفي مصر لقيت فكرة حوض البحر الأبيض المتوسط رواجًا لدى عدد من المثقفين كان في مقدمتهم الدكتور طه حسين، فقد وضع كتابًا عنوانه"مستقبل الثقافة في مصر".. ورغمًا عن أن عميد الأدب العربي شخصية علمية ضخمة، إلا أن ذلك لا يكسبه عصمة من الخطأ، ولا حصانة من التأثر بآراء أساتذته الذين درس عليهم في السوربون أيام كان يطلب العلم في باريس .. في قلب أوروبا..

وإن أوروبا هذه هي التي حرفت فكر الدكتور طه حسين عن موضعه العربي الأصيل، فقال في كتابه"ولا ينبغي أن يفهم المصري ان الكلمة التي قالها (الخديوي) اسماعيل ، وجعل بها مصر جزءا من أوروبا، قد كانت فنًا من فنون التمدح، أو لونًا من ألوان المفاخرة وإن كانت مصر دائمًا (!) جزءًا من أوروبا في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافة على اختلاف فروعها وألوانها". [1]

(1) الدكتور طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ص27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت