فهرس الكتاب
... ففي 25 أيلول من عام 1944 وفي مساء ذلك اليوم العليل، كان قصر أنطونيادس شعلة من نور، وكانت حدائقه تزدان بالمصابيح الكهربائية، وأصحاب الدولة والمعالي والسعادة والعزة رؤساء الوفود العربية يتبوؤن مقاعدهم الأنيقة في انتظار قدوم الزعيم الجليل مصطفى النحاس باشا.
... وكنت أجلس في مقاعد الوفد السوري أستمع مع المستمعين إلى أنغام الموسيقى الشجية.. وأحسب أن مائة مليون عربي كانوا في تلك اللحظات يتوجهون بكل جوارحهم إلى قصر أنطونيادس، وهم يرون فيه مستودع آمالهم ومستقر أحلامهم..
... وكانت الحفلة على شرف الوفود العربية، وكانت المناسبة بداية المباحثات الرسمية لإقامة"الوحدة العربية"، وهذا هو الاسم البريطاني لما أصبح يعرف فيما بعد بالجامعة العربية..
... وأطل النحاس باشا وحوله الوزراء والمرافقون، وأطلت معه إشراقته، وصعيديته الطيبة، وانطلقت"فرقة"الهتافين في الطرف الأيسر من الحديقة، تهتف للرئيس الجليل، وهو يرفع يديه الاثنتين بالشكر والتحية.
... وكانت حفلة خطابية، ألقيت فيها خمس خطب، فقد تخلف عن الحضور وفدا السعودية واليمن.. وبدأ التهامس بين الحاضرين أين السعودية؟ وأين اليمن؟ ولكن أحدا لم يسأل أين فلسطين؟؟
... وخطب النحاس باشا، فحمدت الله أن زعيم مصر الأول ورئيس حكومتها قد جاءت خطبته هذه المرة لتحسم الصراع القديم بين الفرعونية والعروبة، فأكد"الصلات الأخوية بين الدول العربية التي تقوم على روابط الأصل واللغة والطباع والتقاليد والآمال والآلام"فكان هذا أول توكيد رسمي تعلنه مصر تأييدا للقومية العربية، من غير أن يطلق عليها اسمها هذا..