فهرس الكتاب
وصادف أن وقع الاختيار عليّ لأخطب باسم الطلاب في هذه الذكرى الجليلة ولم يكن لي أن أتردد في القبول، فإن هؤلاء الشهداء، ما خلا قلة من العملاء فيهم، كانوا من أبطال الحرية والاستقلال، ومن دعاة الوحدة العربية.
وارتجلت خطابا وطنيا تحدثت فيه عن الوحدة العربية.. ولكني دفعت الثمن.. كان لبنان وسوريا ما يزالان تحت سلطة الانتداب الإفرنسي، ولم يكن الإفرنسيون يحتملون أي"كلام"عن الوحدة العربية. فانتزعتني الشرطة الإفرنسية من حرم الجامعة إلى المحكمة، وصدر القرار بإبعادي من لبنان.. من غير بينات ولا مرافعات..
وجاءت سيارة الشرطة إلى الجامعة، وحملتني مع كتبي وثيابي إلى الحدود الفلسطينية اللبنانية، ولم تدر أنها حملت كذلك إيماني بالوحدة العربية، وقد زاده العسف مضاء ورسوخا..
وعدت ثانية إلى بيت المقدس، وعاودتني ذكرياتي في مدرسة صهيون، ولكني هذه المرة لن أكون حبيس قلعتها الصغيرة، فقد دخلت معهد الحقوق أدرس فيه ليلا.. وأعمل في الصحافة في جريدة مرآة الشرق نهارا.
وكأني وجدت ضالتي في الصحافة والحقوق معا.. وبهذا وضعت قدماي على عتبات الحياة العامة ... وأصبحت حياتي بعدها أن أعمل لتحقيق شعارنا الكبير"الاستقلال في إطار الوحدة العربية".. وأن يعمل كل جيلنا الذي واكب تلك الحقبة من الزمن.
وقضيت أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات وأنا أدعو إلى الوحدة العربية في الصحافة والنوادي، وتوالت علي الدعوات من جمعيات الشبان المسلمين، والنوادي الرياضية والنوادي الأرثوذكسية، وهذه كلها كانت تنتشر في طول البلاد وعرضها، وأنا أخطب في الوحدة العربية.. وكنت