فهرس الكتاب
ولم يكن لنا من حديث إلا موضوع الوحدة العربية.. فقد كان الحوار على أشده في ذلك الوقت بين فريقين من المفكرين المصريين، الفريق الأكبر ينادي بالفكرة الفرعونية صريحة واضحة، والآخر يدعو إلى الوحدة العربية، ولكن على نحو غير واضح ولا صريح.
وضمنا مجلس في ندوة الأهرام، كان فيه عبد الرحمن عزام بك (أمين الجامعة العربية فيما بعد) . وحانت مني التفاته إلى المجلات المكدسة على طاولة أسعد داغر فرأيت بينها مجلة المكشوف وفيها مقال مكشوف..
المقال عن الوحدة العربية.. وكان كاتبه الدكتور طه حسين..
قرأت، ويا لهول ما قرأت.. كان المقال رائعا ورفيعا. وكان غنيا بالجمال والاتساق.. ولكن في دعوة إلى الباطل.. إلى نبذ الوحدة العربية والاستمساك بالفرعونية.
فرغت من قراءة المقال.. وألقيت بمجلة المكشوف، وقلت في عصبية ظاهرة: هذه هرطقة قومية.. هذا كفر عربي.. إنّ طه حسين يكفر بالوحدة العربية، بالعربية الفصحى التي تعلمها بالأزهر الشريف، وليته كتبها باللغة الفرنسية التي تعلمها بالسوربون في باريس!!
وأمسك عبد الرحمن عزام بالمجلة، كما لو كان شرطيا يمسك بالمجرم من تلابيبه، وراح يقرأ المقال بصوت، عال مرة، وخافت مرة أخرى.. وكان يؤشر بقلمه على الفقرات الفرعونية الصارخة، ثم صاح وهو يقول ..
-شوف الأعمى"ده"يكتب آيه!!
وأخذ يقرأ من المقال"أن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين، وأنها ستبقى كذلك، بل يجب أن تبقى وتقوى.. ولا تطالبوا من مصر أن تتخلى عن مصريتها وإلا كان معنى طلبكم إهدمي يا مصر أبا الهول"