آراء الفقهاء في تولية المرأة القضاء:
اختلف العُلماء في حُكْم تولية المرأة القضاء، وذلك على مذاهب:
المذْهب الأول: ذهب الحنفيَّة إلى أن الذكورة ليست من شروط صحة قضاء المرأة في غير الحدود والقصاص، وإن كانتْ مِنْ شروط جواز التقليد.
وهذا يعني أنهم لا يرَوْن جواز تولي المرأة القضاء ابتداء، وإن كانوا يرون جواز قضائها إذا قضت بعد توليتها القضاء، ولذلك صرح المصنف هنا بجواز قضائها وإن أثم من وَلَّاها، وهذا هو الذي فهمناه من نصوص كتب الحنفية، بل وصرح به أكثرهم كالمصنف.
قال الكمال بن الهمام [1] :"ما ذكر غاية ما يفيد منع أن تستقضي وعدم حله، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بذلك أو حَكَّمَها خصمان فقضت قضاءً موافقًا لدين الله أكان ينفذ أم لا؟ لم ينهضِ الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله لا أن يثبت شرعًا سلب أهليتها، وليس في الشرْع سوى نقصان عقلها، ومعلوم أنه لم يصلْ إلى حد سلب ولايتها بالكُليَّة؛ ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظِرة في الأوْقاف ووصية على اليتامى وذلك النقصان بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى الجنس، فجاز في الفرد خلافه; ألا ترى إلى تصريحهم بصدْق قولنا: الرجل خير من المرأة مع جواز كون بعض أفراد النساء خيرًا من بعض أفراد الرجال، ولذلك النقص الغريزي نسب صلى الله عليه وسلم لمن يوليهن عدم الفلاح، فكان الحديث متعرضًا للمولين ولهن بنقص الحال، وهذا حق لكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق لماذا يبطل ذلك الحق؟!"؛ اهـ.
وقال في"مجمع الأنهر" [2] :" (ويجوز قضاء المرأة) في جميع الحقوق؛ لكونها من أهل الشهادة لكن أثم المولي لها للحديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (في غير حد وقود) ؛ إذ لا يجري فيهما شهادتها، وكذا قضاؤها في ظاهر الرواية فلو قضتْ في حد وقود فرفع إلى قاضٍ آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله كما في الخلاصة، وأما قضاء الخنثى فيصح بالأولى، وينبغي ألا يصح في الحدود والقود لشبهة الأنوثة كما في البحر"؛ ا. هـ.
لكن بعض الباحثين المعاصرين يرى أن مذهب الحنيفة: هو جواز تولية المرأة القضاء ابتداء في غير الحدود والقصاص (فيما تجوز فيه شهادتها) ؛ ومنهم:
(1) "فتح القدير" (7/ 297) .
(2) "مجمع الأنهر" (2/ 168) .