(ف) : وقال ابن القيم رحمه الله: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله ، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع ولا طاعة. ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. أ.هـ.
(ق) : ومناسبة الآية للباب: أن التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، وإن التحاكم إلى غيره هو الإفساد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } (المائدة: 50)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الآية الرابعة قوله تعالى: { أفحكم الجاهلية يبغون }
الاستفهام للتوبيخ، و { حكم } مفعول مقدم لـ { يبغون } ، وقدم لإفادة الحصر، والمعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية.
و { يبغون } : يطلبون، والإضافة في قوله: { أفحكم الجاهلية } تحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أفحكم أهل الجاهلية الذين سبقوا الرسالة يبغون، فيريدون أن يعيدوا هذه الأمة إلى طريق الجاهلية التي أحكامها معروفة، ومنها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد.