ثانيهما: أن يكون المعنى: أفحكم الجهل الذي لا يبني على العلم يبغون، سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن، وهذا أعم. والإضافة للجاهلية تقتضي التقبيح والتنفير.
وكل حكم يخالف حكم الله ، فهو جهل وجهالة. فإن كان مع العلم بالشرع، فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع، فهو جهل، والجهالة هي العمل بالخطأ سفها لا جهلا، قال تعالى: { إنما التوبة على الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } (النساء: 17) ، وأما من يعمل السوء بجهل فلا ذنب عليه، لكن عليه أن يتعلم.
(ف) : قال ابن كثير رحمه الله: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه. فصارت في بنيه شرعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير.
(ق) : قوله: { ومن أحسن من الله حكما } . { من } : اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد أحسن من الله حكما، وهذا النفي مشرب معنى التحدي، فهو أبلغ من قوله: (لا أحسن من الله حكما) لأنه متضمن للنفي وزيادة.
وقوله: { حكما } .تمييز، لأنه بعد اسم التفضيل، وهو مبهم، فبين هذا التمييز المبهم وميزه. والحكم هنا يشمل الكوني والشرعي.
فإن قيل: يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار مثل الزلازل والفيضانات وغيرها، فأين الحسن في ذلك؟