الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان. أي سواء كان منافقا أو غير منافق ثم استهزأ، فإنه يكفر كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله. النميمة: من نمًّ الحديث، أي: نقله ونسبه إلى غيره، وهي نقل كلام الغير للغير بقصد الإفساد، وهي من أكبر الذنوب، قال - صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام) (1) ، وأخبر عن رجل يعذب في قبره، لأنه كان يمشي بالنميمة (2) ، وأما النصيحة لله ورسوله، فلا يقصد بها ذلك، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله - - عز وجل - - وإقامة حدوده وحفظ شريعته، وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل لأجل أن يقام عليه الحد أو ما يجب أن يقام عليه وليس قصده مجرد النميمة.
ومن ذلك لو أن رجلا اعتمد على شخص ووثق به، وهذا الشخص يكشف سره ويستهزأ به في المجالس، فإنك إذا أخبرت هذا الرجل بذلك، فليس هذا من النميمة، بل من النصيحة.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله . العفو الذي يحبه الله: هو الذي فيه إصلاح، لأن الله اشترط ذلك في العفو فقال: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } (الشورى: 40) أي: كان عفوه مشتملا على الإصلاح، وقال بعضهم: أي أصلح الود بينه وبين من أساء إليه، وهذا تفسير قاصر والصواب أن المراد به اصلح من عفوه، أي: كان في عفوه إصلاح.
فمن كان عفوه إفسادا لا إصلاحا، فإنه آثم بهذا العفو، ووجه ذلك من الآية ظاهر، لأن الله قال: { عفا وأصلح } ، ولأن العفو إحسان والفساد إساءة، ودفع الإساءة أولى، بل العفو حينئذ محرم.
(1) البخاري: كتاب الأدب / باب ما يكره من النميمة، ومسلم: كتاب الإيمان / باب غلظ تحريم النميمة.
(2) البخاري: كتاب الجنائز / باب عذاب القبر من الغيبة، ومسلم: كتاب الطهارة / باب الدليل على نجاسة البول.