فهرس الكتاب
قوله: (فقال له: اكتب) . القائل هو الله - - عز وجل - - يخاطب القلم، والقلم جماد، لكن كل جماد أمام الله مدرك وعاقل ومريد، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة فصلت: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [فصلت: 9-11] ، أي: لابد أن تنقادا لأمر الله طوعا أو كرها، فكان الجواب: { قالتا أتينا طائعين } ، فقد خاطب الله السماوات والأرض وأجابتا ودل قوله: { طائعين } على أن لها إرادة وأنها تطيع، فكل شيء أمام الله ، فهو مدرك مريد ويجيب ويمتثل.
قوله: (قال: ربي وماذا أكتب؟) . (ماذا) : اسم استفهام مفعول مقدم، و (اكتب) : فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، هذا إذا ألغيت (ذا) ، أما إذا لم تلغ، فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و (ذا) خبره، أي: ما الذي أكتب؟ والعائد على الموصول محذوف تقديره: ما الذي أكتبه؟
وفي هذا دليل على أن الأمر الجمل لا حرج على المأمور في طلب استبانته، وعلى هذا، فإننا نقول: إذا كان الأمر مجملا، فإن طلب استبانته لا يكون معصية، فالقلم لا شك أنه ممتثل لأمر الله - - سبحانه وتعالى - -، ومع ذلك قال: (رب وماذا أكتب؟) قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، فكتب المقادير.
فإن قيل: هل القلم يعلم الغيب؟
فالجواب: لا، لكن الله أمره، ولا بد أن يمتثل لأمر الله ، فكتب هذا القلم الذي يعتبر جمادا بالنسبة لمفهومنا، كتب كل شيء أمره الله أن يكتبه، لأن الله إذا أراد شيئا قال: كن، فيكون على حسب مراد الله .