فهرس الكتاب
فعلم بذلك أن مشركي قريش لم يكونوا ينازعون في الربوبية، فصارت هذه الكلمة إذا ًدالة على غير ما أراد أولئك المتكلمون، وهو ما ذكرناه آنفا من أن معنى (لا إله) : هو (لا معبود) ، وأن تقدير الخبر: (موجود) فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله ، وهذا باطل؛ لأننا نرى أن المعبودات كثيرة وقد قال جل وعلا: مخبرا عن قول الكفار { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } (صّ: من الآية5) فدل ذلك أن المعبودات كثيرة والمعبودات موجودة.
فتقدير الخبر بـ (موجود) غلط، ومن المعلوم أن المتقرر في علم العربية أن خبر لا النافية للجنس يكثر حذفُه في لغة العرب، وفي نصوص الكتاب والسنة؛ ذلك أن خبر لا النافية للجنس يحذف إذا كان المقام يدل عليه، وإذا كان السامع يعلم ما المقصود من ذلك.
وقد قال ابن مالك في آخر باب لا النافية للجنس لما ساق هذه المسألة:
وشاع في ذا الباب إسقاط الخبرڑإذا المراد مع سقوطه ظهر
فإذا ظهر المراد مع حذف الخبر فإنك تحذف الخبر؛ لأن الأنسب أن يكون الكلام مختصرا كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول) .
فأين الخبر فيما تقدم؟.
الجواب: إنه في كل ذلك محذوف لكونه معلومًا لدى السامع؛ إذن فخبر (لا إله) هنا معلوم، ولا يصح تقديره: بـ (موجودا) ، لأن الآلهة التي عبدت مع الله موجودة، فالصحيح تقدير الخبر بقولك بحق، أو حق يعني لا إله بحق، أولا معبود بحق أو لا معبود حق إلا الله .
وإن قدرت الظرف فلا بأس، أو قدرت كلمة مفردة فلا بأس، فلا معبود حق إلا الله ، هذا معنى كلمة التوحيد فيكون كل معبود غير الله -جل وعلا- قد عبد، ولكن هل عبد بالحق أم عبد بالباطل، والظلم والطغيان والتعدي الجواب عبد بالباطل، والظلم والطغيان والتعدي، وهذا يفهمه العربي بمجرد سماعه كلمة لا إله إلا الله .