فإذا تبين لك ذلك فاعلم أن النذر المطلق لا يدخل في الكراهة، لكن إذا أطلقنا القول بأن النذر عبادة، فهل يدخل في هذا الإطلاق النذر المقيد؟.والجواب: أن النذر المقيّد له جهتان:
الأولى: وفاءه بالنذر الذي ألزم نفسه به فإنه يكون بذلك قد تعبَّد الله عبادة من هذه الجهة - فيما يظهر-.
الجهة الثانية: جهة الكراهة المتعلقة بهذا النذر المقيد، وهي إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال: إن كان كذا وكذا فلله علي نذر كذا وكذا، كانت الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد لا إلى أصل النذر، دل على ذلك التعليل حيث قال: (فإنما يستخرج به من البخيل) .
فلا إشكال إذًا، فالنذر عبادة من العبادات العظيمة، وهنا قاعدة في أنواع الاستدلال على أن عملا ما من الأعمال صرفه لغير الله -جل وعلا- شرك أكبر، وذلك أن الاستدلال نوعان:
النوع الأول: استدلال عام: يعني: أن كل دليل من الكتاب أو السنة فيه إفراد الله بالعبادة، يكون دليلا على أن كل عبادة لا تصلح إلا لله، فيكون الاستدلال بهذا النوع من الأدلة، على تحريم النذر لغير الله ، وأنه شرك كالأتي:
دل الدليل على وجوب صرف العبادة لله وحده، وعلى أنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله -جل وعلا-، وأن من صرفها لغير الله -جل وعلا- فقد أشرك، والنذر عبادة من العبادات فمن نذر لغير الله: فقد أشرك.
والنوع الثاني: من الاستدلال أن تستدل على المسائل بأدلة خاصة، وردت فيها، كأن تستدل على تحريم الذبح لغير الله بأدلة خاصة وردت في ذلك، وكأن تستدل على وجوب الاستغاثة بالله وحده دون ما سواه بأدلة خاصة وردت بذلك، وكذا في الاستعاذة ونحو ذلك.