فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 1408

وهل الحصر في قوله: (فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) حقيقي أو إضافي؟

الجواب: إن قيل: إنه حقيقي؛ حصل إشكال، وهو أن هناك أحاديث أضاف النبي - صلى الله عليه وسلم - الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد) (1) ؛فهنا حصران متقابلان، فإذا قلنا: إنه حقيقي بمعنى أنه لا هلاك إلا بهذا حقيقة؛ صار بين الحديثين تناقص.

وإن قيل: إن الحصر إضافي؛ أي: باعتبار عمل معين؛ فإنه لا يحصل تناقص بحيث يحمل كل منهما على جهة لا تعارض الحديث الآخر لئلا يكون في حديثه - صلى الله عليه وسلم - تناقض، وحينئذ يكون إضافيا، فيقال: أهلك من كان قبلكم الغلو هذا الحصر باعتبار الغلو في التعبد في الحديث الأول، وفي الآخر يقال: أهلك من كان قبلكم باعتبار الحكم، فيهلك الناس إذا أقاموا الحد على الضعيف دون الشريف.

وفي هذا الحديث يحذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك لأنه مخالف للشرع ولإهلاكه للأمم السابقة؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين:

الوجه الأول: تحذيره - صلى الله عليه وسلم -، والتحذير نهي وزيادة.

الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا، وما كان سببا للهلاك كان محرما.

(ف) : قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار. ثم علله بما يقتضي مجانبة هدى من كان قبلنا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به، فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك.

(ق) : أقسام الناس في العبادة:

(1) البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء / باب حديث الغار، ومسلم: كتاب الحدود / باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة، حديث (1688) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت