فابن عمر وبصرة بن أبي بصرة جعلًا الطور مما نهي شد، الرحال إليه. لأن اللفظ الذي ذكراه فيه النهي عن شدها إلى غير الثلاثة مما يقصد به القربة، فعلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث. والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة. فإن الله سماه الوادي المقدس. والبقعة المباركة وكلم كليمه موسى - عليه السلام - هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ومن أراد بسط القول في ذلك والجواب عما يعارضه فعليه بما كتبه شيخ الإسلام مجيبًا لابن الاخنائي فيما اعترض به على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وأخذ به العلماء وقياس الأولى. لأن المفسدة في ذلك ظاهرة.
وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها: أنها لا مصلحة في ذلك توجب شد الرحال، ولا مزية تدعو إليه. وقد بسط القول في ذلك الحافظ a بن عبد الهادي في كتاب الصارم المنكي في رده السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر هو وشيخ الإسلام رحمهما الله تعالى أنه لا يصح منها حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه، مع أنها لا تدل على محل النزاع. إذ ليس فيها إلا المختارة)ة، وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال، فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة.
قوله: (رواه في المختارة) المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة عن الصحيحين.
ومؤلفه هو أبو عبد الله a بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي أحد الأعلام. قال الذهبي: أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين، والورع والفضيلة التامة والإتقان. فالله يرحمه ويرضى عنه.
وقال شيخ الإسلام: تصحيحه في مختاراته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب. مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.