فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 1408

ولا ريب أن من ادعى الولاية، واستدل بإخباره ببعض المغيبات فهو من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، إن الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن التقى، إما بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها، بخلاف من يدعى أنه ولي ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب، وإن كانت أسبابًا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف الكهان: (فيكذبون معها مائة كذبة) (1) فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة، وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعى الولاية والعلم بما في ضمائر الناس، مع أن نفس دعواه دليل على كذبه. لأن في دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله:"فلا تزكوا أنفسكم"' 53: 32 ' وليس هذا من شأن الأولياء، فإن شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها، وخوفهم من ربهم، فكيف يأتون الناس ويقولون: اعرفوا أننا أولياء، وأنا نعلم الغيب؟ وفي ضمن ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق واقتناص الدنيا بهذه الأمور. وحسبك بحال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وهم سادات الأولياء، أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات شيئ؟ لا والله بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن، كالصديق - رضي الله عنه -، وكان عمر - رضي الله عنه - يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر بالآية في ورده من الليل فيمرض منها ليالي يعودونه، وكان تميم الداري يتقلب على فراشه ولا يستطيع النوم إلا قليلًا خوفًا من النار ثم يقوم إلى صلاته. ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكره الله تعالى في صفاتهم في سورة الرعد والمؤمنين والفرقان والذاريات والطور فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء، لا أهل الدعوى والكذب ومنازعة

(1) البخاري، كتاب بدء الخلق: ،حديث (2210) ، باب ذكر الملائكة. ومسلم ، كتاب السلام: ،حديث (2228) (122) ، باب تحريم الكهانة واتيان الكهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت