(ف) : وتضمن الحديث أن الطيرة لا تضر من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لا يخلص توكله على الله واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره، لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله، وأن الخير كله بيده، فهو الذي يجلبه لعبده بمشيئته وإرادته، وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقدرته ولطفه وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشر عن عبده فما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال تعالى: ' 4: 79 '"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك".
(ق) : وقوله: (اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك) . يعني: فأنت الذي بيدك الخير المباشر؛ كالمطر والنبات، وغير المباشر؛ كالذي يكون سببه من عند الله على يد مخلوق، مثل: أن يعطيك إنسان دراهم صدقة أو هدية، وما أشبه ذلك؛ فهذا الخير من الله ، لكن بواسطة جعلها الله سببا، وإلا فكل الخير من الله -عز وجل-.
وقوله: (فلا خير إلا خيرك) . هذا الحصر حقيقي؛ فالخير كله من الله ، سواء كان بسبب معلوم أو بغيره.
وقوله: (لا طير إلا طيرك) . أي: الطيور كلها ملكك؛ فهي لا تفعل شيئا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } (الملك: 19) ، وقال تعالى: { أَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } (النحل: 79) ؛ فالمهم أن الطير مسخرة بإذن الله ؛ فالله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث.
ويحتمل أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان؛ فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة؛ فإنه من الله كما أن الخير من الله ؛ كما قال تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله } (الأعراف: 131) .