قوله: (ومصدق بالسحر) . هذا هو شاهد الباب، ووجهه أن علم التنجيم نوع من السحر، فمن صدق به؛ فقد صدق بنوع من السحر، فقد سبق: (أن من اقتبس شعبه من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر) (1) ، والمصدق به هو المصدق بما يخبر به المنجمون، فإذا قال المنجم: سيحدث كذا وكذا، وصدق به؛ فإنه لا يدخل الجنة؛ لأنه صدق بعلم الغيب لغير الله ، قال تعالى: { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله } (النمل: من الآية65) .
فإن قيل: لماذا لا يجعل السحر هنا عاما ليشمل التنجيم وغير التنجيم؟
أجيب: إن المصدق بما يخبره به السحرة من علم الغيب يشمله الوعيد هنا، وأما المصدق بأن للسحر تأثيرا؛ فلا يلحقه هذا الوعيد؛ إذ لاشك أن للسحر تأثيرا، لكن تأثيره تخييل، مثل ما وقع من سحرة فرعون حيث سحروا أعين الناس حتى رأوا الحبال والعصي كأنها حيات تسعى، وإن كان لا حقيقة لذلك، وقد يسحر الساحر شخصا فيجعله يحب فلانا ويبغض فلانا؛ فهو مؤثر، قال تعالى: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } (البقرة: من الآية102) ؛ فالتصديق بأثر السحر على هذا الوجه لا يدخله الوعيد لأنه تصديق بأمر واقع.
أما من صدق بأن السحر يؤثر في قلب الأعيان بحيث يجعل الخشب ذهبا أو نحو ذلك؛ فلا شك في دخوله في الوعيد؛ لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله - - عز وجل - -.
قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة) . هل المراد الحصر وأن غيرهم يدخل الجنة؟
الجواب: لا؛ لأن هناك من لا يدخلون الجنة سوى هؤلاء؛ فهذا الحديث لا يدل على الحصر.
وهل هؤلاء كفار لأن من لا يدخل الجنة كافر؟
اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال:
(1) تقدم في باب: بيان شيء من أنواع السحر، وهذا حسن.