قال ابن رجب رحمه الله: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب فكيف يقدم طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟ أم كيف يرضى التراب بسخط الملك الوهاب؟ إن هذا لشيء عجاب.
(ق) : مناسبة الحديث للترجمة:
قوله: (من التمس رضا الناس بسخط الله ) ، أي: خوفا منهم حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى.
فيستفاد من الحديث ما يلي:
1.وجوب طلب ما يرضي الله وإن سخط الناس، لأن الله هو الذي ينفع ويضر.
2.أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس كائنا من كان.
3.إثبات الرضا والسخط لله على وجه الحقيقة، لكن بلا مماثلة للمخلوقين، لقوله تعالى: { ليس كمثله شيء } وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وأما أهل التعطيل، فأنكروا حقيقة ذلك، قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يليق بالله، وهذا خطأ، لأنهم قاسوا سخط الله أو غضبه بغضب المخلوق، فنرد عليهم بأمرين: بالمنع، ثم النقض:
فالمنع: أن نمنع أن يكون معنى الغضب المضاف إلى الله -- عز وجل -- كغضب المخلوقين.
والنقض: فنقول للأشاعرة: أنتم أثبتم لله -- عز وجل -- الإرادة، وهي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والرب - عز وجل - لا يليق به ذلك، فإذا قالوا: هذه إرادة المخلوق. نقول: والغضب الذي ذكرتم هو غضب المخلوق.
وكل إنسان أبطل ظواهر النصوص بأقيسة عقلية، فهذه الأقيسة باطلة لوجوه:
الأول: أنها تبطل دلالة النصوص، وهذا يقتضي أن تكون هي الحق ومدلول النصوص باطل، وهذا ممتنع.
الثاني: أن تقول على الله بغير علم، لأن الذي يبطل ظاهر النص يؤوله إلى معنى آخر، فيقال له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا المعنى دون ظاهر النص؟ ففيه تقول على الله في النفي والإثبات في نفي الظاهر، وفي إثبات ما لم يدل عليه دليل.