الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، الحمد لله الذي قدر الأقدار، الحمد لله الذي كتب عنده في اللوح المحفوظ، ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، فأفعاله تعالى خير كلها، والخير كله في يديه، والشر ليس إليه، أفعاله صادرة عن عدله وحكمته؛ وكلها عدل، [وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا] الكهف (49) ، أفعاله منزّهه عن العبث، [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ] المؤمنون: (115)
تدور أفعاله على الحكمة والمصلحة، والإحسان والرحمة والعدل والصواب، وعلمه محيط بكل شيء، خلق الخلائق وعلم أرزاقهم وآجالهم، وحركاتهم وسكناتهم وأعمالهم، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، كل ما يجري في العالم بمشيئته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ، لم يكن، [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] البقرة (253) ، يؤيّد بنصره من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، لو أراد لآمن أهل الأرض كلهم جميعًا، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) النحل: 93) وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل، وهم يسألون، خلق خلقه فجعل منهم شقيًا وسعيدًا، مؤمنًا وكافرًا، وجعل بين العسكرين مواجهةً إلى قيام الساعة، وأخبر أن عسكر أهل الكفر على قتال أهل الإيمان مواظبين، (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة: (271) ، وهذا يفيد الاستمرار، وليس لأهل الحق عند أهل الباطل إلا العداوة، وجعل على رأس هؤلاء الأعداء، إبليس وأعوانه وأعظم أعوانه من البشر وأشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود، كما أخبر الله عز وجل؛ قتلة الأنبياء، والذين كذبوا على الله وحرفوا الكلم عن مواضعه، ولما ذهب حيي ابن أخطب وأخوه أبو ياسر؛ بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مباشرة، لينظرا إليه، ويتعرفا عليه، رجعا آخر النهار كالين متعبين، فقال: حيي ابن أخطب، قال له أخوه أبو ياسر: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: أتعرفه؟ وتثبته! قال: نعم، هو المذكور في الكتاب، - هو المذكور في صفاته عندهم-، قال فما في نفسك منه، قال عداوته والله ما بقيت.