ولو كان أحد من الأمة سيعافى من البلاء لعُوفي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكنه شُجّ وسحر وسم وضرب وخنق عليه الصلاة والسلام، وطرد وأوذي وشتم وأتهم صلى الله عليه وسلم.
إذًا هذا الابتلاء الذي حصل له في نفسه، وحصل له في أصحابه - (في عام واحد يقتل سبعون في أحد وسبعون في بئر معونة، بينهما أشهر، تتوالى عليه مصيبة بمائة وأربعبين من أصحابه، وهذا الابتلاء سنة ماضية، وقد أصاب من قبلهم(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) آل عمران: (140) ، وكذلك مس الأعداء، (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) آل عمران: (140) ، إذًا مداولة الأيام بين الناس حكمة من الله عز وجل ولو أن المؤمنين دائمًا ينصروا لأصيبوا بالعُجُب والغرور، ولكن الله سبحانه وتعالى يداول القوة والسيطرة والغلبة بينهم وبين عدوهم، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) آل عمران: (140) ،؛ تارة لهم وتارة عليهم، الحرب سجال، وتكون العاقبة في النهاية للمؤمنين، ولو كان للباطل صولات وجولات، فإن الغلبة في النهاية لأهل الحق، قال ابن القيم رحمه الله: (أن ما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه وغلبته له وأذاه له في بعض الأحيان: أمر لازم لابد منه وهو كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض والهموم والغموم. فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار) ، حتى يصير هناك فرق بين الدنيا والجنة، قال حتى الأطفال. حتى الطفل يوعك ويبكي ويتألم ويعاني ويكابد. قال: (فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم لكان ذلك عالما غير هذا ونشأة أخرى غير هذه النشأة) .. لكانت تلك إذًا هي الجنة.
ثم إنه عز وجل يبلوالناس ليظهر معدن أهل الإيمان (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا) الممتحنة: (140) ، الشدة والرخاء تكشفان!، ويتميز المؤمن من المنافق. وقد قال الحسن رحمه الله:، (قد والله رأيناهم يتقاربون في العافية فإذا نزل البلاء تفاوتوا) . وهكذا رأينا تمييز الخبيث من الطيب في هذه الأحداث، لو شاء الله - أيها الأخوة والأخوات - لأخذ اليهود بلحظة، ولزلزل الأرض من تحتهم، وأسقط عليهم عذابًا من السماء، ولو شاء لأخذهم بالصيحة، ولو شاء لأهلكهم بالطوفان، ولو شاء لأرسل عليهم ريحًا صرصرًا في يوم نحس مستمر فقتلعتهم، لو شاء لأهلكهم في لحظة، قال تعالى: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ