نقض الروايات القائلة بإنكار ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن الكريم
زعمت كثير من الروايات- المذكورة في المصادر السنية- أن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كان يُنكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن الكريم. وهذا يعني أن القرآن قد تعرض للتحريف بإدخال فيه ثلاث سور ليست منه!!. فهل هذا الزعم الخطير والذي يٌخالف كتاب الله ويطعن فيه صحيح؟؟!!، ومن الذين رووا رواياته؟؟!!.
أولا: نقض الروايات القائلة بإنكار ابن مسعود كون الفاتحة من القرآن:
وردت روايات في مصادرنا السنية ذكرت صراحة أن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- لم يكن يكتب سورة الفاتحة في مصحفه. وهذا يعني أنه كان ينكر كونها من القرآن الكريم.
منها ما رواه الفقيه القاسم بن سلام، فقال: (( حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب والمعوذتين، واللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد. وتركهن ابن مسعود، وكتب عثمان منهن فاتحة الكتاب والمعوذتين ) ) [1] .
ورواها المؤرخ ابن شبة من طريق آخر مفاده: (( حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا هشام، عن محمد: أن أبي ابن كعب كتبهن في مصحفه خمسهن، أم الكتاب، والمعوذتين، والسورتين [2] ، وتركهن ابن مسعود كلهن، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب، والمعوذتين، وترك السورتين ) ) [3] .
واضح من الطريقين أن عبد الله بن مسعود لم يكن يكتب سورة الفاتحة في مصحفه، مما يعني أن القرآن الكريم قد تعرّض للتحريف، بإدخال فيه سورة الفاتحة وهي ليست منه. فهل هذا الزعم صحيح؟!.
إنه لا يصح لأن الرواية التي ذكرته لم تصح إسنادا ولا متنا، فأما إسنادا فإن الطريق الأول من رجاله: أيوب بن أَبي تميمة السختياني (ت131هـ، عن 63 سنة) ، ثقة ثبت [4] . لكنه كان يُدلس، لأن أحمد بن حنبل نفى أن يكون أيوب قد سمع من عطاء بن يسار. قال ابنه عبد لله: سُئل أبي عن (( أيوب السختياني، سمع من عطاء بن يسار؟، فقال: لا ) ) [5] . و من جهة أخرى روى الخليلي القزويني خبرا مفاده (قال معمر: وحدثنا ايوب، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه و سلم-: .... ) ) [6] . ومن ذلك أيضا أن بن سيرين لم يسمع من أنس بن مالك لكنه روى عنه أحاديث [7] . وبما أنه كان يدلس، وهو هنا قد عنعن عن محمد بن سيرين ولم يُصرّح بالسماع فالخبر بينهما لم يثبت اتصاله.
والراوي الثاني: محمد بن سيرين (ت110 هـ عن 77 سنة) : ثقة ثبت [8] ، كان كثير الإرسال، حدث عن أقوام لم يدركهم، وآخرين لم يسمع منهم، فأرسل عن ابن عباس، وابن عمر، و ائشة وغيرهم [9] . فهو لم يلحق بأبي بن كعب، ولا بابن مسعود، ولا بعثمان، فمن أين له بالحديث الذي رواه عنهم؟؟!!. فالخبر منقطع بينه وبينهم، مما يعني أنه يوجد راوٍ بينهم سقط من الإسناد.
وأما الطريق الثاني، فلا يصح أيضا لأن من رواته: عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري (ت198 هـ) قال بن سعد: لم يكن بالقوي [10] . وذكره الذهبي في الضعفاء و قال: صدوق، رُمي بالقدر. و ذكر أحمد ابن حنبل أن في حديثه تخليطا إذا حدث من حفظه [11] .
والثاني: هشام بن حسان الأزدي القردوسي البصري (ت148 هـ) :وثقه كثير من أهل الحديث وضعفه بعضهم، مُدلس، يُرسل، ومُتهم بالتحديث عمن لم يسمع، كان يُصر على التدليس في الرواية عن عطاء والحسن. لم يكن يحفظ، كان خشبيا- شيعيا إماميا-. قيل: عنده ألف حديث حسن ليس
(1) القاسم بن سلام: فضائل القرآن، رقم الأثر: 575.
(2) هما المعروفتان بسورتي الخلع والحفد. وسنعود إلى هاتين السورتين المزعومتين لمناقشة خبرهما وبيان بطلانه في الفصل الثالث. وكذلك فيما يخص موقف ابن مسعود المزعوم من المعوذتين فسنعود إليه في المبحث الثاني من هذا الفصل.
(3) ابن شبة: تاريخ المدينة، ج 3 ص: 1009.
(4) المزي: تهذيب الكمال، رقم: 607، ج 3 ص: 461 و ما بعدها.
(5) أحمد بن حنبل: موسوعة أقوال الإمام أحمد، رقم: 231، ج 1 ص: 125.
(6) الخليلي القزويني: الإرشاد في معرفة علماء الحديث، ج 1 ص: 320.
(7) أحمد بن حنبل: موسوعة أقوال الإمام أحمد، رقم: 231، ج 1 ص: 125. و ابن أبي شيبة: المصنف، ج 1 ص: 301، 309.
(8) ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 2 ص: 85.
(9) العلائي: جامع التحصيل، ص: 264.
(10) الذهبي: ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق، ط 1، دار المنار، الزرقاء، 1986، رقم: 196، ص: 114.
(11) الذهبي: المغني في الضعفاء، ص: 175، رقم: 3445. و أحمد بن حنبل: موسوعة أقوال الإمام أحمد، ج 2 ص: 215.