وأقول: هذا احتمال وارد من الناحية النظرية، لكنه لا يصح واقعيا، بدليل الشواهد الآتية: أولها أنه تبين من مناقشتنا لهذا الموضوع أن حكاية موقف ابن مسعود المُنكر لقرآنية الفاتحة والمعوذتين، تبين أنها باطلة من أساسها. وعليه فإن ذلك الاعتراض لا يصح القول به أصلا. والثاني إنه تبين من الروايات المتعلقة بهذا الموضوع أنها كانت صريحة في قولها بأن ابن مسعود كان ينكر قرآنية تلك السور ولم تذكر أنه كان ينكر كتابة اسمها في المصحف. والشاهد الثالث مفاده أن تلك الروايات صرحت أنه كان ينكر كون المعوذتين من القرآن بدعوى أنهما كانا مما يتعوذ بهما النبي- عليه الصلاة و السلام-، و هذا يعني أنه يقصد إنكار متنيهما لا اسميهما، لأن التعوذ يكون بالمضمون لا بالاسم.
والشاهد الرابع إن قول تلك الروايات بأن ابن مسعود كان ينكر كتابة تلك السور في مصحفه يعني أنه كان ينكرها كموضوع لا كاسم، لأنه لو قصد الاسم كان عليه ايضا أن يُعمم حكمه على كل سور القرآن بعدم كتابة أسمائها، وهذا لم يحدث. كما أنه لا معنى من أن ينكر كتابة أسماء ثلاثة سور ولا ينكر كتابة أسماء السور الأخرى.
والشاهد الأخير- الخامس- إن بعض تلك الروايات نصت صراحة على أن ابن مسعود كان ينكر قرآنية المعوذتين ويحكهما من الصحف حسب ما زعمته، ويقول: (( لا يحل قراءة ماليس منه ) ) [1] ، و يقول: (( إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه ) ) [2] ،و يقول: (( لِمَ تزيدون فيه ما ليس منه؟ ) ) [3] ،ويقول: (( لا تلحقوا بالقرآن ما ليس منه ) ) [4] .
والاعتراض الثاني، ربما يقول بعضهم: إن ابن مسعود عندما أنكر قرآنية الفاتحة والمعوذتين، ربما لأنه خَفي عنه أمرها، فأخطأ في موقفه منها. وهذا اعتراض لا يصح، لأنه مجرد احتمال نظري، إذا تصورنا حدوثه في الواقع من صحابي وعالم كبير كابن مسعود تبين استحالة حدوثه في الواقع. وبمعنى آخر إن تصوّر حدوثه في الواقع يكفي للحكم عليه بالبطلان. وهذا سبق أن ناقشناه وبيناه فلا نعيده هنا.
(1) ابن شبة: تاريخ المدينة، ج 3 ص: 1011.
(2) ابن حبان: صحيح ابن حبان، ج 13 ص: 236.
(3) المستغفري: فضائل القرآن، ج 1 ص: 323.
(4) الطحاوي: مشكل الآثار، ج1 ص: 119 رقم: 100.