قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، أَي:"ما أمركم به من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه". وهذا أصح الأقوال؛ لأنه لعمومه تناول الكل، َّ وهو صحيح، فيه مراد به. وقد وقع القولُ ها هنا مطلقًا بذلك، وقيَّده النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإِذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" [1] .
وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} .
وإن جاء بلفظ الإيتاء وهي المناولة، فإن معناه الأمر، بدليل قوله: {وما نهاكم عنه فانتهوا} فقابله بالنهي، ولا يُقابِلُ النهي إلا الأمر؛ والدليلُ على فهم ذلك ما ثبت في الصحيح، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لعن الله الواشمات والمُسْتَوشِمات، والْمُتَنَمِّصَات، والْمُتَفَلِّجات للحسن، المغيرات لخلق الله) [2] ."
فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كَيْتَ وكيت؟ فقال: ومالي لا ألعَنُ مَنْ لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في كتاب الله فقالت: لقد قرأت ما بين اللَّوْحَيْن فما وجدْتُ فيه ما تقول. قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته؛ أما قرأت: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [3] ؟ قالت: بلى، قال:"فإنه قد نهى عنه" [4] .
(1) أخرجه البخاري: فتح الباري 13/ 251، ح7288؛ ومسلم 4/ 1830، ح 1337. وانظر: أحكام القرآن لابن العربي 4/ 215، 216.
(2) أخرجه البخاري: فتح الباري 10/ 427، 428، ح 5943، 5948. ط 5، دار الحديث، القاهرة.
(3) سورة الحشر، الآية (7) .
(4) أخرجه البخاري: الفتح 8/ 630، 4886. وأخرجه مسلم وغيره.