فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

هذه الأمة التي نحن منها, هي خلق جديد, بدأ يتولد مع انهيار ملك العباسيين بالمشرق والموحدين بالمغرب, وتلك أواخر القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي. ولقد واصل هذا الخلق تولده, بل قل: امساخه , سبعة قرون عجافا حتى بلغ طور الإنسان المسلم في مطالع هذا القرن وهو إنسان قابع , قانع بما يتناثر عليه من فتات الآخرين إنسان لم يهزم أمام الآخرين بقدر ما هزم أمام نفسه...ولقد زاد من وقع هذه الهزيمة وساهم في ترسيخ عقابيلها, أنه حين أفاق من صدمتها بعد سبات عميق, وجد نفسه في مواجهة حضارة جبارة, تتضاخم وتتعاظم بسرعة لا يكاد يلحق بها الخيال, وظن أن لا طاقة له بهذا الجالوت وجنوده, فقنع من الغنيمة بالإياب, وأخلد إلى الأرض, وأصبح قصارى ما يطمح إليه أن يعيش طفيليا على هذا المخلوق الجبار الذي أصابه بالانبهار.

هكذا أصبح الإنسان المسلم في أخرة قرونه الوسطى السبعة العجاف.... فقد زمام المبادرةأصبح فيروسا حضاريا ينخر في جسم الحضارة ولا يستطيع أن ينهض بنفسه.

أصبح قصارى أمله اليوم أن ينقل التكنولوجيا.... أي أن ينقل ما ابتكره غيره, أما أن يحوز العلم نفسه الذي أبدع هذه التكنولوجيا, فهذا أمر لا يخطر له على بال!

أصبح قصارى منشوده أن يجيد لغة عملاق الحضارة, حتى يستطيع أن ينقل من فتات هذه الحضارة أقصى ما تسمح به طاقة الرمام saprophyte, أما أن يجعل لغته لغة حضارة, بحيث يبدع كما أبدع الآخرون, فهذا أبعد الأشياء عن منطق نفسية المهزوم.

بل أصبحت أي خلية من خلاياه تحاول أن تفعل شيئا يوحي بإمكان أن يعيش مستقلا عن ثويه الذي يتطفل عليه, محط استهجان واستنكار كيف تجرؤ على أن تخل برقاده الذي اطمأن به, أو أن تفسد عليه لذة سباته العميق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت