وحتى لو أتيح لهذه الخلايا الصاحية أن تنجو من استهجانه واستنكاره, فإن العملاق الذي يعولها لا يلبث أن يبطش بها بطشة تدع الحليم حيران.... حدثت هذه الصحوات مرارا هنا وهناك في أثناء حقبة الامساخ, ولكن الجالوت الحضاري عاجلها بضربات قاسيات قاضيات
وقد كان من أبرز هذه الصحوات قبل قرنين, تلك الصحوة التي حمل لواءها البغدادي صاحب"الخزانة", والزبيدي صاحب"تاج العروس", والجبرتي الكبير صاحب المخترعات الميكانيكية والصنائع الحضارية التي تعلمها منه طلاب الإفرنج,"وذهبوا إلى بلادهم كما يقول الجبرتي الابن المؤرخ ونشروا بها العلم من ذلك الوقت, وأخرجوه من القوة إلى الفعل, [ أي حولوه من العلم إلى التكنولوجيا] , واستخرجوا به الصنائع البديعة".
هذه الصحوة أحس بها يبدوذلك الطاغوت الماجن نابليون, فأجلب عليها بخيله ورجله, وغزاها بأساطيله وجحافله, واستطاع أن يقضي عليها بكل شراسة. فكان يأمر عند مطلع كل شمس بقتل خمسة أو ستة من التلامذة النابهين لهؤلاء العلماء الأعلام, ثم طلب من خليفته الهالك كليبر في ما كتب إليه أن يجمع خمسمئة أو ستمئة من المماليك أو العرب, [أي الأعراب] ومشايخ البلدان, ويسفرهم إلى فرنسا, ليحجزوا فيها عاما أو عامين, يشاهدون فيهما عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على لغتها وتقاليدها, فإذا عادوا إلى مصر كان له منهم حزب يضم إليهم غيرهم. ولما غادر الفرنسيون مصر صاغرين, حملوا معهم كما يقول أمين سامي باشا في"تقويم النيل"الأوراق والكتب; ليس التي تخصهم فقط بل كل ما يرونه نافعا !!".... ثم يقولون لنا: إن نابليون هو الذي فتح أعين هذه الأمة على حضارة الغرب, وهو الذي أدخل المطبعة إلى بلادنا, مع أننا نجد اليوم بين أيدينا كتابا مما طبع بمحروسة حلب المحمية, من بلاد الشام, سنة ست وسبعمئة وألف مسيحية, أي قبل أن يخلق نابليون هذا بثلاث وستين سنة! ."