... ثم تجول بك الآيات في مجالات شتى, فتذكر لك حقيقة من حقائق علم النفس: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى... ثم تلفتك إلى أن رجعاك ومعادك إلى ربك الذي بدأ خلقك من علق .
وهكذا في نسق عجيب يربط الدنيا بالآخرة, ويمازج بين آيات الله في الأنفس والآفاق, وبين آياته في العبادة والتقوى, تتواصل آيات السورة إلى نهايتها في نبضات مرسومة, كل نبضة منها تهز وترا من أوتار نفسك التي جبلت علىعمارة الدنيا وعمارة الآخرة, واستعدت بفطرتها للتبحر في كل ما علم الله الإنسان من علوم الدنيا وعلوم الآخرة ."وكل ميسر لما خلق له".
... ولا غرابة في أن يت صل القرآن بالعلوم جميعا, فما العلوم إلا نتاج تطل بالإنسانية أسرار الفطرة. والقرآن ما هو إلا كتاب الله فاطر الفطرة, بل الدين هو الفطرة نفسها, كما جاء في تلك الآية المعجزة التي لا ينقضي العجب من إعجازها في سورة الروم:
... فأقموجهك للدين حنيفا: فطرة الله التي فطر الناس عليها; لا تبديل لخلق الله! ذلك الدين القيم . ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
فالآية الكريمة كما يقول الأستاذ الجليل محمد أحمد الغمراوي رحمه الله وأحسن إليه الآية الكريمة لا تجعل الإسلام فقط دين الفطرة, ولكن نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها, وهذا أوجز تعبير وأوكده وأ شمله, بتمام انطباق الإسلام على سنن الله التي خلق عليها الإنسان, سواء تعلقت بالبدن أو النفس, وبالعقل أو القلب, في الفرد والأسرة والطائفة, أو في القبائل والأمم والشعوب.