فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 19

... تسع آيات كلها كونية تتعلق بظواهر طبيعية, لا يدرسها ولا يبحثها ويكشف عن أسرارها إلا العلم التجربي الحديث.... جمع الله للإنسانية فيها بين العلم والدين, ومزجهما للمفكرين مزجا يدهش ويبهر, وصار به العلم في الإسلام جزءا من الدين, ميزة للإسلام وحده من بين الأديان !

وإن شئت توكيدا لذلك لا مزيد له, فأعد قراءة قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم; إن في ذلك لآيات للعالمين( لتعلم أن المراد بالعال مين هنا ليسوا العلماء بالمعنى العام, ولكن العلماء الدارسين للسماوات والأرض وأسرار خلقها, ولأجناس الناس والشعوب وأسرار اختلافهم ... وهؤلاء هم العلماء بالمعنى العلمي الحديث .

أعود إلى أولئك النفر من قريش الذين استمعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يخاطبهم بذلك الخطاب العجيب: اقرأ ... كيف كان ردهم على تلك السورة التي تجمع علم الجنين إلى علم النفس, وتذكر بالرب الذي خلق, والذي علم, والذي إليه المرجع والمآب, وتحث على السجود الذي يحقق غاية الاقتراب .

... كان ردهم:"أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدا رسول الله". هكذا, بكل بساطة أيقنوا أن هذا الكلام الذي لم يعهدوه ولم يسمعوا بمثله, وهم كانوا سادة الكلام وأبلغ البلغاء, لا يمكن أن يكون من عند غير الله.. (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .. وهم إنما وجدوه متسقا كل الاتساق, منسجما كل الانسجام, تتساوق فيه آيات الله في الأنفس مع آيات الله في التقوى .... ولم يفرقوا في ماعلمه الله بالقلم بين علم شرعي وعلم كوني .... بل لعل مما جعلهم يلبون داعي الله من فورهم, هذا التمازج والتضافر بين كلمات الله المحدودة في كتاب الله, وبين كلمات الله التي لا حدود لها في الأنفس والآفاق:"ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت