... ولم يكن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تابعوهم ولا من تبعهم بإحسان يصنفون العلوم إلى علوم شرعية وعلوم كونية, وإنما كانوا يقتدون بهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لا ينفع. وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يسأل الله علما نافعا, وأنه كان يستعيذ بالله من علم لا ينفع. وقد ضرب القرآن الكريم مثلا للعلم الذي لا ينفع في قصة هاروت وماروت:"ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم, ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق; ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون".
... فكل علم ينفع الناس هو علم إسلامي, وهو علم مشروع, وهو علم حق. فالحق غاية العلم .... والله قد أنزل الكتاب بالحق كما خلق السماوات والأرض بالحق. والحق ما ينفع الناس, فقد قال ربنا عز وجل في سورة الرعد: (كذلك يضرب الله الحق والباطل: فأما الزبد [=الباطل] فيذهب جفاء, وأما ما ينفع الناس [=الحق] فيمكث في الأرض) .
... وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب هذا العلم النافع فريضة على كل مسلم, ذكرا كان أم أنثى, ولو أن منه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية. وانظر إلى قوله صلوات الله عليه"طلب العلم", لتعرف لماذا أجهد المسلمون أنفسهم في تطلبه, ولماذا بحثوا عنه في كل مكان ولم يجدوا حرجا في أخذه من أي وعاء خرج, ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين, الذي فتح على الإسلام قلوب الناس, تنفتح على العالم من حولها تتلمس كل علم ينفع الناس.