فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 19

... ولكن الذي يلفت النظر ويثير الدهشة, أن هذه الأمة بعد أن قضت فترة الحضانة العلمية في أيام الراشدين إن صح التعبير, قد انفتحت على العالم وهي في مرحلة نضج ثقافي وعلمي ظاهرين. وعن قصد ما أقول"ثقافي"و"علمي"مميزا كما ينبغي أن يكون بين الثقافة وبين العلم, إذ الثقافة مقصورة على أمة بعينها, والعلم مشاع بين خلق الله جميعا , يشتركون فيه مهما اختلفت الملل والعقائد.

... والثقافة بالنسبة إلى الفرد تعني أصولا ثابتة, تنغرس في نفس"الإنسان"منذ مولده ونشأته الأولى, حتى يشارف حد الإدراك البين, جماعها كل ما يتلقاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلميه ومؤدبيه, حتى يصبح قادرا على أن يستقل بنفسه. فإذا استقل, استبد عقله بتقليب النظر, وإعمال الفكر, وممارسة التنقيب والبحث, ومعالجة التعبير عن الرأي. وللغة دورها الأكبر في ترسيخ الأصول التي تنغرس, وإيصال المعارف الأولى التي تعين على التواصل.

... هذا ما كان من أمر ثقافة الفرد . أما ثقافة الأمة فهي حصيلة ثقافات أبنائها, المثقفين بقدر مشترك, وهي مرآة جامعة , في حيزها المحدود, كل ما تشعث وتشتت وتباعد من ثقافة كل فرد من أبنائها, على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. وجوهر هذه المرآة هو اللغة. وللدين في ثقافة الفرد وثقافة الأمة شأن كبير ودور رئيس, كتابيا كان الدين أم وثنيا أم غير ذلك. حتى لقد قال"إليوت"بحق: إن ثقافة الشعب ودين الشعب مظهران مختلفان لشيء واحد, لأن الثقافة في جوهرها تجسيد لدين الشعب.

... والثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش, ولكنها لا تتداخل تداخلا يفضي إلى الامتزاج البتة, ولا يأخذ بعضها عن بعض شيئا إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال, فإن استجاب لأسلوبها قبسته وعدلته وخلصته من الشوائب, وإن استعصى نبذته واطرحته اطراحا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت