... والناظر في ثقافة أمة أخرى غير أمته, إنما ينظر فيها لأحد أمرين: إما ليكسب منها شيئا لأمته وثقافته, وإما ليناظر ويناقش. وهو في كلا الأمرين واقع في مأزق ضيق"مأزق اللغة ومأزق الثقافة.لايستطيع أن يأخذ إلا بمقدار ما فهم من لغة غريبة أصلا عن لغته, ولا يستطيع أن يناقش إلا على قدر ما يتصور أنه استبانه وأدركه من ثقافة غريبة عن ثقافته."
... وأعود إلى أمتنا التي ذكرت أنها انفتحت على العالم من حولها, وهي في مرحلة نضج"ثقافي"و"علمي"ظاهرين.
... أما الثقافة فقد أنضجها الإسلام, بعد أن قطع كل صلة لهذه الأمة بمعاملات الجاهلية وثارات الجاهلية ومآثر الجاهلية, وأحل محل ذلك ثقافة: قوامها كتاب, يأمر أول ما يأمر بالقراءة, ويقسم أول ما يقسم بالقلم والكتابة, ويدعو في كثير من آياته إلى التفكير والتنقيب والبحث في الكون والكائنات, ويفاضل بين الذين يعلمون والذين
لايعلمون, وبين الذين أوتوا العلم والذين لم يؤتوه ومؤدي هذا الكتاب رسول يفضل مجلس العلم على مجلس الذكر, ويقسم الناس إلى عالم ومتعلم وهمج لاخير فيه, ويوازن بين مداد العلماء ودماء الشهداء, ويجعل الحكمة ضالة المؤمن, أنى وجدها فهو أولى بها.
... وأما العلم فقد كان منه بادئ ذي بدء علوم مبتكرة تنظم ضوابط اللغة التي هي قوام الثقافة وتلك علوم اللغة والنحو والعروض; وكان منه علوم تحدد التعامل على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع وذلك علم الفقه; وكان منه علوم تضبط فهم مصادر الفكر والتشريع والسلوك, وتكفل سلامة النصوص الناظمة لجميع شؤون الحياة وتلك علوم التفسير والحديث وكل أولئك علوم عربية إسلامية بحتة, أبدعتها عقول أبناء هذه الأمة على غير مثال سبق .