فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 19

... وهذا هو النضج العلمي والثقافي الذي أتحدث عنه. فهذه العلوم الخاصة التي ابتكرتها هذه الأمة, وابتدعت أصولها ومناهجها, وأرست لها أركان النهج الفكري المستقيم, ونواظم إعمال العقل إعمالا ليس له حدود... أقول: هذه العلوم الخاصة الأصيلة أعدت هذه الأمة لاستقبال العلوم التي لم يكن لها بها عهد . وتلك الثقافة التي كانت تهيمن على الضمائر والمواقف, جعلت الأمة تنفتح على الثقافات الأخرى بلا حرج ولا عقد, ولكنها جعلتها كذلك تقف منها موقف العالم المتبصر, وموقف الناقد المستنير. فلم تأخذ من الحضارة اليونانية مثلا شيئا من أدب اليونان ولا شعرهم ولا فنهم ولا دراماهم ولاميثولوجيتهم, ولكنها اغترفت من هذه الحضارة ما استطاعت من علوم الطب والطبيعة, وتخيرت وانتقت ما شاءت من الحكمة والفلسفة.

... وقد كان عجبا من العجب, لم يشهده التاريخ من قبل أو بعد, أن أمة فاتحة, تملي شروط الصلح على المغلوبين, فتطلب إليهم أن يقدموا لها كتب العلم والفلسفة غرامة حربية.... هذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم, وهذا وحده دليل قاطع , على أنهم كانوا على استعداد لقبول هذه العلوم, وأنهم كانوا على قدر من التقدم الفكري يسمح لهم باستيعاب هذه العلوم, بل غربلتها وانتخالها, بل تثوير أعماقها والخروج منها بمبتكرات لم تخطر على البال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت