... ويمكن أن نلاحظ أن الحركة العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية. ويوم أن استقر العرب في بلاد فارس ومصر, لفتت أنظارهم حركات علمية في جنديسابور وحران والإسكندرية. فحاولوا أن يفيدوا منها, وشغلوا أولا بما تقتضيه ظروف الحياة. وإنك لترى خالد بن يزيد الأموي يعنى في عهد مبكر بالكيمياء والطب والفلك, ويأمر بعض المتخصصين بمصر بترجمة رسائل فيها عن اليونانية أو القبطية. ثم ترى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه, يأمر"ابن ماسرجويه"بترجمة كتاب"أهرن القس"في الطب . ويوم أن اتجه المنصور نحو مدرسة جنديسابور التي أسسها كسرى أنوشروان, إنما كان يبحث عن أطباء لا عن فلاسفة, وقد اهتدى إلى بني بختيشوع الذين كان لهم شأن في نشأة الدراسات الطبية العربية, وإسهام في حركة الترجمة الكبرى. كما قام في أيامه عبد الله بن المقفع, بنقل كتب في المنطق والطب كان الفرس قد نقلوها من اليونانية, كما نقل يحيى ابن البطريق كتبا كثيرة لبقراط وجالينوس, أمره المنصور بنقلها.
... وللمرء أن يتساءل: لماذا وصل المسلمون إلى هذا النضج العلمي الباهر في مثل هذه الحقبة الوجيزة? والجواب في القرآن المجيد نفسه, الذي علم الناس أصول المنهج العلمي تعليما.... لم يضعها في فصل مستقل عنوانه"المنهج العلمي"وإنما بثها في تضاعيف آي القرآن الحكيم وثناياه, بحيث تشربها الذين يتلونه حق تلاوته, وهيمنت على تفكيرهم من حيث لا يشعرون.
... العلم لا يقول عن شيء إنه حق إلا إذا قام عليه البرهان اليقيني القاطع. وقد أخذ المسلمون هذا المبدأ من مثل قوله تعالى:"وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم! قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" [البقرة: 111] .