الصفحة 168 من 732

بنقل الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا وتهافت على الاتصال

بالملوك ونيل المكانة والحظوة عندهم - فإن من كان بهذه الصفة لم

يؤمن عليه التغيير والتبديل والافتعال للحديث والكذب حرصا على مكسب

يحصل عليه (1) . وقد نبه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على نحو

هذا الذى ذكرنا بقوله: إن الاحاديث ستكثر بعدى كما كثرت عن

الانبياء قبلي ، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما

وافقه كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله . وقد روى أن قوما من

الفرس واليهود (2) وغيرهم لما رأوا الاسلام قد ظهر وعم ودوخ وأذل

جميع الامم ، ورأوا أنه لا سبيل إلى مناصبته ، رجعوا إلى الحيلة

والمكيدة فأظهروا الاسلام من غير رغبة فيه ، وأخذوا أنفسهم بالتعبد

والتقشف ، فلما حمد الناس طريقتهم ولدوا الاحاديث والمقالات ،

وفرقوا الناس فرقا . . . وإذا كان عمر بن الخطاب يتشدد في الحديث

ويتوعد عليه والزمان زمان ، والصحابة متوافرون ، والبدع لم تظهر ،

والناس في القرن الذى أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

فما ظنك بالحال في الازمنة التى ذمها ! وقد كثرت البدع وقلت

الامانة . . . العلة الثانية وهي نقل الحديث على المعنى دون اللفظ

بعينه - وهذا الباب يعظم الغلط فيه جدا . وقد نشأت منه بين الناس

شغوب شنيعة ، وذاك أن أكثر المحدثين لا يراعون ألفاظ النبي صلى

الله عليه وسلم التى نطق بها ، وإنما ينقلون إلى من بعدهم معنى ما

أراده بألفاظ أخرى ، ولذلك نجد الحديث الواحد في المعنى الواحد يرد

بألفاظ شتى ، ولغات مختلفة ، يزيد بعض ألفاظها على بعض . على أن

اختلاف ألفاظ الحديث قد تعرض من أجل تكرير النبي(صلى الله عليه

وسلم)له في مجالس عدة مختلفة وما كان من الحديث بهذه الصفة فليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت