الصفحة 170 من 732

كلامنا فيه ، وإنما كلامنا في اختلاف الالفاظ التى تعرض من أجل نقل

الحديث على المعنى . ووجه الغلط الواقع من هذه الجهة ، أن الناس

يتفاضلون في صورهم وألوانهم وغير ذلك من أمورهم وأحوالهم ، فربما

اتفق أن يسمع الراوي الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أو من

غيره ، فيتصور معناه في نفسه على غير الجهة التى أرادها ، وإذا عبر

عن ذلك المعنى الذى تصور في نفسه بألفاظ أخرى ، كان قد حدت بخلاف

ما سمع من غير قصد منه إلى ذلك - وذلك أن الكلام الواحد قد يحتمل

معنيين وثلاثة ، وقد تكون فيه اللفظة المشتركة التى تقع على الشئ

وضده ، كقوله صلى الله عليه وسلم:"قصوا الشارب واعفوا اللحى"

ففى مثل هذا يجوز أن يذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المعنى

الواحد ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر ، فإذا أدى معنى ما سمع

دون لفظه بعينه ، كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد ، ولو أدى

لفظه بعينه ، لاوشك أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الاول ، وقد علم

(صلى الله عليه وسلم) أن هذا سيعرض بعده فقال محذرا من ذلك:"نضر"

الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها . فرب مبلغ أوعى من

سامع". . . العلة الثالثة وهي الجهل بالاعراب ومباني كلام العرب"

ومجازاتها ، وذلك أن كثيرا من رواة الحديث قوم جهال باللسان العربي

لا يفرقون بين المرفوع والمنصوب والمحفوض . ولعمري لو أن العرب

وضعت لكل معنى لفظا يؤدى عنه لا يلتبس بغيره ، لكان لهم عذر في ترك

تعلم الاعراب ، ولم يكن بهم حاجة إليه في معرفة الخطأ من الصواب .

ولكن العرب قد تفرق بين المعنيين المتضادين بالحركات فقط ، واللفظ

واحد - ألا ترى أن الفاعل والمفعول ليس بينهما أكثر من الرفع

والنصب - فربما حدث المحدث بالحديث ، فرفع لفظة منه ينوى بها أنها

فاعلة ، ونصب أخرى ينوي بها أنها مفعولة ، فنقل عنه السامع ذلك

الحديث فرفع ما نصب ونصب ما رفع جهلا منه بما بين الامرين فانعكس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت