فهرس الكتاب
ومع ذلك فإن هذين العملين الجديرين بقنوة المكتبة واهتمام الناقد يبدوان، بالقياس إلى أعماله الأخرى، كحدثين أراد بهما سويفت إضفاء الصبغة المسرحية على حقيقة كونه كاتبًا بالفعل لما يشبه الأدب، وكاتبًا كان يسخّر المؤسسات الأدبية في الوقت الذي كانت تناسبه فيه، أو في لحظات تبطّل قسري. إن رسائل سويفت الصريحة عن عمد والموجهة إلى بعض أصدقائه في لندن حول شخصية غوليفر، وهي كلها مؤشرات ومفاتيح متعددة"لحكاية حوض"، عمد لاحقًا بمنتهى الذكاء إلى دمجها في نسخ تالية من أعماله، ولكن يا لها من شواذ بمستوى شذوذ"غوليفيريانا"لسميدلي- وهذه كلها بمثابة ملحقات هزلية بالكتابة التي عرّضت نفسها مسبقًا لتهمة الملحق بالواقع. وإن ما يضفي الميزة الأدبية على بعض كتابات سويفت ويعزلها عن كراساته الدينية والسياسية العديدة هو أن تلك الكراسات مطمورة كأحداث ضمن شبكة معقدة من أحداث هذه الحياة الدنيا، في حين أن الكتابات السابقة تظهر بمظهر الكتابات الساخرة أو الأدبية أو النصية لأنها ليست بالأحداث على الإطلاق، لا بل وعلى النقيض من ذلك فإن"حكاية حوض"مكتوبة بكل وضوح لإحباط حدث ما ولصرف الانتباه الجاد عنه. ففي"الكوميديون الرواقيون"يدرس هيوغ كنير بمنتهى الروعة"حكاية حوض"ويدلي بحكمه عليها من أنها ذلك الكتاب الذي هو بمثابة محاكاة ساخرة لإسفاف ولوع الكتب بالكتابة. وإن كتاب"أسفار غوليفر"لعمل، كائنًا ما يمكن أن يكون خلاف ذلك، يستخدم الفعل الماضي التاريخي كحاجز أدبي مدرك لوجوده بين القارئ وصيغة الفعل المضارع الزائفة التي تروى بها معظم مغامرات غوليفر. وهكذا فنحن إذًا مضطرون على أن نحمل على محمل الجد اكتشاف سويفت بأن الكلمات والأشياء في هذه الحياة الدنيا ليست مرشحة بتلك البساطة لتبادل الأمكنة، وذلك لأن الكلمات تنأى بنفسها بعيدًا عن الأشياء إلى عالم لفظي خاص ومختلف تمام الاختلاف.