فهرس الكتاب
إن ما أوجزته على عجل يستلزم المزيد من العرض والتوضيح، ولئن كان لهذا الموجز أية قيمة فهي وضعه عمل سويفت على محاور التعارضات والثغرات الأساسية التي تجعل الوصول الكامل لهذا العمل إلى القرن العشرين محدودًا جدًا. وهكذا فنحن الآن أمام تحدّ من قبل أعمال كاملة حرون في وجودها كحكم سلبي على نفسها كونها لم تنجح كحدث، وهو الأمر الذي يعني انقراضها وتبددها في زمن ماض. فالتاريخ، بالنسبة لسويفت، عزز نفسه بما فيه الكفاية وما من حاجة لتأويله ما دامت اللغة مرادفة للسلطة السياسية (كما تحاول أن تبرهن رسالته العلنية إلى هارلي حول الحفاظ على اللغة الإنكليزية) . ولما كان سويفت على قسط عظيم من العجرفة فإنه لم يكن ليصدق أن كتابته ما فعلت أكثر من خدمة سلطة حزب المحافظين وحسب، ولذلك فإنه كان يرى في كراساته، وهو يعود ببصره إلى غابر الأزمان، جزءًا من النظام السياسي، أحداثًا في صلب تاريخ ذلك النظام، مع العلم أن الطريقة الهوسى التي أدرك بها، في مقدم ومؤخر مسيرته الأدبية، المخاطر الكامنة في اللغة المتحررة من السلطة السياسية والواقع الاجتماعي، توحي بأنه شعر من تلقاء نفسه بالحاجة للتوكيدات على أن تحكمه باللغة كان قويًا. لقد تيقن في خاتمة المطاف أن السبيل الوحيد له كي يطمئن قلبه كان الفضح الدوري للمساوئ التي تسلم اللغة نفسها لها بمنتهى البساطة. وإن التناسق، مثلًا، بين نبذ سويفت ربة الشعر (the muse) في قصيدته المعنونة بـ"بمناسبة مرض سير وليام تامبل وشفائه أخيرًا" (1693) وبين هجومه، بعد أربعين سنة، على اندفاعات"الإلهام الشعري" (في مقالته المعنونة"عن الشعر: مقطع من ملحمة"، 1733) لتناسق مذهل. إن القصيدتين التاليتين تبينان أولًا ربة الشعر منبوذة توقعًا لاحتضان الشاعر الواقع، وتبينان بعدئذ غش الشعر بالنظر لغياب موضوع حقيقي.