فهرس الكتاب
وحري بنا أن نمضي قدمًا إلى الأمام ولو قليلًا لتوكيد الحدود التي حجزت وراءها على ما يبدو سويفت من أن يكون مرشحًا للاهتمام النقدي الشيق. إن أكثر الموضوعات إصرارًا على الصمود في عمل سويفت هو الضياع، وإن كتابته غالبًا ما تبادر للإتيان بالمعنى الحرفي للضياع حتى قبل عرض طاقتها الرشيقة. ولذلك فإن المرء يفتقد في سويفت نفس بُعد الاتساع والصحة الذي يمكننا أن نراه، في سياق كتابته، مدفوعًا بعيدًا عن الأنظار. فالجسم البشري، مثلًا، لا يعرضه سويفت (كما في حكاية حوض أو في أسفار غوليفر) إلا لكي يكون مهشمًا أو مظلومًا باهتمام بالغ الدقة والتكثيف إلى الحد الذي يتحول فيه إلى شيء تتعزز منه النفس. إن حدة مثل هذا التقزيم ناجمة عن أن الكاتب يعرف هذا على ما يبدو، لابل وبدون الضياع بعربدة تسخر من ذاتها بذلك الأسلوب الذي يتسم بدقة براقة فريد من نوعها ندعوها بـ"السويفتية". فالأشياء التي يدور حولها اهتمام سويفت -من أفكار وبشر وأحداث- مجردة من قوتها الحقيقية أو من الحياة ومتروكة، في نثره، على شكل بقايا، أو معروضات تجلب معها الصدمة أو التسلية أو الإنسحار. فحين نفكر"بالمضمون"البشري لعمل سويفت، ونتصوره معطلًا مؤقتًا في الأسلوب البسيط، نتأكد بشيء من الانزعاج أن ما أمامنا معرضًا من العجائب والأشياء المرعبة: ككاتب مجنون ومنجّم قتيل وحرب مستحيلة ولا معقولة وكاتب سياسي متهافت (ستيل) ، وقاعة تعج بزنادقة غواة، وأناس يغطون في الروث، وهكذا دواليك. إن التصاوير العنيفة للحرب والمرض والجنون والحرمان، فضلًا عن نتائج التقزيم والتعملق المطروحة علينا في"أسفار غوليفر"، كلها متجانسة مع الضياع العام الذي تعيشه حالة الاستواء والذي ينجذب إليه سويفت على ما يبدو.