فهرس الكتاب
واسمحوا لي أخيرًا بتحديد موقفي أنا. فأورويل، من باب التمهيد، ليس مخطئًا جدًا باعتبار أن رأيه متسم بالتحيز والنقص وليس بالفعل على قسط سياسي واف. وإن المرء حين يقرأ تقويمه لسويفت لا يعرف أن"أسفار غوليفر"كتاب متأخر، ولا يعرف أن سويفت كان في معظم أوائل حياته سياسيًا ناشطًا، لابل وحتى سياسيًا انتهازيًا ورّاقًا ومحجابًا. فلقد كان حريا بأورويل أن يقرأ"أسفار غوليفر"لوحده ويستنتج من ثم آراءه السياسية من تلك القراءة المنعزلة، إذ إن النظرة إلى غوليفر بأنه يمثل كل ما لدى سويفت لنظرة مشوهة. وإن تلك التشابهات التي يقوم بها أورويل بين سويفت وكل من آلان هربرت وج. م. يونغ ورونالد نوكس الذين ينعتهم سويفت"بذلك العدد الغفير من المحافظين الأذكياء الأغبياء في يومنا هذا"، لتشابهات ذكية غبية بحد ذواتها علاوة على أنها ضيقة الأفق ضيقًا بالغًا. وإن القبول عن سويفت بأنه"لم يكن يحب الديموقراطية"يعني قول شيء لا يمت بأية صلة لسياق الزمن وذلك لأنه حتى خصوم سويفت من أعضاء"الحزب التقدمي"، ذلك الحزب الذي يمر أورويل على ذكره مرور الكرام، ما كان بالإمكان وصفهم بأنهم من المؤمنين بالديموقراطية، فهل بوسع المرء أن يصدق بالفعل أن غودولفين ودوق مالبورو، وقد كانا كلاهما عضوين في حزب الأحرار (Whigs) وهدفين لهجوم سويفت عليهما بلا هوادة، كانا مؤمنين بالديموقراطية؟ وحين يعبر أورويل عن ثقته أن سويفت كان عالمًا فذًا بالغيب حيال"ما يمكن دعوته الآن بالديكتاتورية"-ومحاكمات الجواسيس وتصنّت المخبرين ومؤامرات الشرطة وما شابه ذلك- فإنه لا يستملح ذلك إلا لكي يدينه بعد برهة وجيزة على كون تفكيره"لا يدور حول عامة الناس مقدار ما يدور حول حكامهم، أو على عدم كونه مع المزيد من المساواة الاجتماعية، أو على عدم كونه متحمسًا للمؤسسات التمثيلية".