فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 581

فأورويل على ما يبدو ليس على يقين من أن بوسع المرء أن يكون عدوًا لدودًا للطغيان، مثلما كان سويفت طيلة حياته، وألا يكون له موقف متطور جدًا من"المؤسسات التمثيلية".

إن الشيء الذي لا يأخذه أورويل بحسبانه هو إذًا الوعي الإيديولوجي، أي ذلك الجانب من تفكير الفرد الموصول، في خاتمة المطاف، بالوقائع الاقتصادية والسياسية/ السوسيولوجية. فسويفت جزء كبير من زمانه: ولذلك ليس من المنطق في شيء أن نتوقع منه أن يفكر ويتصرف كنموذج بدئي لجورج أورويل نظرًا لأن الخيارات الثقافية والإمكانات الاجتماعية والفعاليات السياسية التي أتيحت لسويفت في زمانه كان من المرجح لها أن تأتي بإنسان كسويفت لا كأورويل.

وأما فيما يتعلق بالنظرة الشائعة عن سويفت بأنه ذلك العضو الهجاء في حزب المحافظين (Tory) فإنها بدورها تقلل من شأن سويفت كمحرض سياسي وتعلي من مقام سويفت كجلاّب للصور الغائبة.

بيد أن انطباعي يتجسد في أن هنالك تقولات أكثر من اللزوم عن سويفت بأنه ذلك المفكر الفاضل الذي كان متحمسًا في دفاعه عن هذه النظرة القاطعة أو تلك إلى الطبيعة البشرية، في الوقت الذي ليس فيه ما يكفي من التقولات عن سويفت بأنه محرض سياسي محلي وصاحب عمود في إحدى الصحف وورّاق ورسام كاريكوتوري. وحتى تلك التحليلات المفيدة للأساليب الهجائية لدى سويفت، طريقة تعبيره أو شخوصه مثلًا، يعتريها الفساد أحيانًا من جراء هذا التعرض. وهكذا فيبدو الأمر وكأن النقاد يفترضون أن سويفت كان بوده فعلًا أن يكون على غرار جون لوك أو توماس هوبز، ولكنه لم يتمكن من ذلك لأمر ما: وهكذا تصبح مهمة الناقد مساعدة سويفت على تحقيق طموحه بتحويله من مكافح سياسي عابث وهامشي إلى فيلسوف يقتعد أريكته ويدخن غليونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت