فهرس الكتاب
ويبين كاتبا"الأيديولوجية الألمانية"أن الفلسفة، وحاشى لها أن يكون لها من لدنها حياة خاصة مستقلة ومصون، تشكل جزءًا من الواقع المادي. فالوعي نفسه أسير تحديد الظروف الاقتصادية كما يقولان، وحتى لو أردنا الدفاع، مع ماركسيين كلوكاش، عن أن ماركس وإنغلز ما كانا يقصدان أن الوعي ثمرة الظروف الاقتصادية بكل تلك البساطة، فإن الوضع بالتأكيد هو أن"الأيديولوجيا الألمانية"كتاب يسوق الحجج على أنه حتى امثال تلك الأشياء السامية كالأفكار والوعي والميتافيزيك لايمكن فهمها فهمًا كاملًا دون استيعاب فيض من السياسة والسوسيولوجيا وعلم الاقتصاد. وعلى أية حال، فإن ما يهمنا هنا هو أن المفكر -الذي لم يحظ بمثل هذا النعت من ماركس وإنغلز- إما أن يكون أي إنسان منهمك ببث الأفكار التي تبدو مستقلة عن الواقع الاجتماعي أو ذلك الإنسان الذي يشبههما معًا، والذي يتقصد أساسًا تبيان العلاقات بين الأفكار والواقع الاجتماعي. وإن من الواضح أن النوع الأول محافظ، في حين أن النوع الثاني مفكر ثوري وذلك لأن أي إنسان، كما يجادلان، يعرّي الأفكار من رفعتها السامية يحرض عمليًا على تبديل ثوري في الوضع الفكري السائد ومن ثم في الوضع السياسي القائم. فالصراع بين هذين النوعين من المفكرين يدور، كما هو موصوف بمصطلحات ماركسية، لا في الوعي والمجتمع وحسب، بل وفي حيز منعوت بالحيز الإيديولوجي، ألا وهو حيز الخطاب الذي يتظاهر زورًا وبهتانًا بأنه مؤلف من أفكار ولكنه يتستر في الحقيقة على تآمره مع المؤسسات المادية وعلى اعتماده عليها. ولذلك فحين يتحدث برونو باور عن الوعي الذاتي، يقول ماركس وإنغلز عنه بأنه يخفي الحقيقة التي مفادها أن الوعي الذاتي يصار إلى جعله موضوعًا ممكنًا للبحث لا لأنه شيء حقيقي بل لأن الفلسفة التقليدية، التي هي حليف للكنيسة والجامعة والدولة، تمكن الفلاسفة من أن يتحدثوا بتلك الطريقة وأن يبتكروا موضوعات للبحث.