فهرس الكتاب
ولذلك تأملوا الفرضيات الثلات التي أود اقتراحها. (1) ليس لدى سويفت رأسمال احتياطي: فكتابته تجعل كل ما عليه أن يقوله يطفو على السطح. إن حكاياته وشخوصه وتهكمه الذاتي أمور كلها تدور وتلف حول الفضيحة التي أعلنها لأول مرة في"حكاية حوض"، والتي مفادها أن ما يقال يقال في تلك اللحظة، ولصالح تلك اللحظة، وعلى لسان مخلوق من تلك اللحظة. وهذا صحيح دائمًا وحرفيًا- إذ إن ما بمقدورنا أن نعرفه عن سويفت أو غوليفر أو تاجر الأجواخ هو ذلك الشيء الموجود أمامنا، ولا شيء سواه. وإن التهكم يستكمل نفسه في القراءة، إذ ليس هنالك ثمة شيء يؤكد مصداقية ذلك التهكم أو عدمها (فمن ذا الذي يخطر على باله أن يحتكم، حيال"الاقتراح المتواضع"، إلى ذلك الإنسان الحقيقي الذي لا يشكك في وجوب أكل البشر؟) وذلك لأن ما يقوله ذلك التهكم هو ما يعنيه بالضبط. (2) إن سويفت يهاجم على الدوام وبإصرار كل ما يشخصه، وبكلمات أخرى فإن طريقته يجب أن تصبح هي الشيء الذي يهاجمه، وهي عادة ليست برسالة أو مذهب سياسي بل أسلوب أو طريقة محادثة. لاحظوا كثرة أعمال سويفت المملة جراء تكرارها المنجزات والأنشطة وأنماط السلوك: اقتراح وحكاية ومسلك ومحادثة ورحلة ورسالة ومناقشة وامتحان وموعظة. فالمسافة بين الهجّاء والشيء المهجو تختفي كما هي عليه الحال في استطراد عن الاستطراد أو الجنون على سبيل المثال. (3) إن سويفت ليدرك دائمًا، وقبل نقاده، أن ما يفعله قبل أي شيء آخر هو الكتابة في عالم ذي سلطة، مع العلم بأنه يغيظ القارئ بذلك الإدراك. فسويفت هو ذلك الواقعي الذي لا نظير له والذي يستطيع أن يتبين، لا بل ويجسد فيما يكتب، الفروق بين اللغة المبتذلة وبين لغة السلطة، أي بين لغة المؤسسات ولغة الأفراد المستبعدين أو المهمشين، أو بين لغة العقل وبين ما يدعوه بالمحادثة المهذبة. وهكذا فإن سويفت يحتل مكانًا له بين أكثر الكتاب دنيوية -لابل وربما كان أكثرهم دنيوية أيضًا.