فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 581

وعندما يتحدث مارلو، بعدئذ، يبقى صوته ثابتًا في نفس ذلك الوقت الذي تضمحل فيه مشاهدة مستمعيه له. إن ذلك النوع من الاضمحلال مألوف جدًا إلى الحد الذي جعل الهدف الذي رسمه كونراد لنفسه، كما جاء على ذكره في مقدمة الرواية عام 1896، يشكل تحديًا خاصًا وذلك لأنه المقصود بمسيرة الكلمات المسرودة لم يكن مجرد التحرك في اتجاه معاكس لاتجاه الرؤية وحسب، بل وتمديد أمد الصمت"الظلمة محال اختراقها"، على الرغم من إصرار الكلمات على وجودها على الصفحة أو بين المتحدث والمستمع.

ولربما من المفيد أن أرسم مخططًا لبعض ما قلته أعلاه. إن أصل الروايات يكمن في حضور الناس حضورًا سمعيًا وبصريًا. وينطبق هذا القول في العادة على حالة كونراد سواء أكان سرد الروايات بصيغة المتكلم أم لا. والجدير بالذكر أن موضوعها وهمي أو غامض أو مبهم: أي كل شيء لا تسهل رؤيته في الطبيعة. وهكذا فإن كثيرًا جدًا منها على الأقل يمكن التحقق منه بمجرد قص القصة، وذلك لأن ما تكشفه القصة عادة هو الخطوط الكفافية الدقيقة المحيطة بهذا الغموض. وفي معظم الوقت يكون الغموض، بصرف النظر حتى عن الروعة الظاهرية المتقنة (كما هي عليه الحال بالنسبة لنوسترومو أو جيم أو المعاون الأسود) ، مقصد خجل سري. ولكن من المفارقات العجيبة أن يكون السر عرضة، بمنتهى البساطة، للافتضاح بشكل مغلوط -الأمر الذي يجعل طرائق السرد المحترسة المعروفة لدى كونراد تقدم على محاولة إحباطه. فالراوي النبيه هو دائمًا راو يحول دون ورود النوع المغلوط من التأويل، كما أن سرده يفترض بكل إصرار رواج نسخة منافسة. إن كل رواية"نوسترومو"، على سبيل المثال، مبنية على تواريخ متنافسة عن (كوستاغوانا) حيث أن كلًا منها يزعم بأنه سجل أكثر دقة من غيره عن الأحداث الخطيرة، وينتقد بشكل ضمني النسخ الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت