فهرس الكتاب
إن بإمكاننا أن نتصور روايات كونراد بشكل تجريدي وكأنها تبادل المواضع بين الحضور والغياب في اللغة. فحضور الكلمات المنطوقة في الوقت المناسب يخفف وطأة نسختها المكتوبة، إن لم يعمل على تغييبها نهائيًا، إذ إن ثمة متكلم يتوالى السرد بصوته في الوقت الذي يطغى صوته على حقيقة غيابه عن مستمعيه إبان كلامه (أو حقيقة عدم مشاهدتهم له) . إن هدف كونراد هو أن يجعلنا نرى أو أن نتخطى بدلًا من ذلك غياب الأشياء كلها عدا الكلمات، وذلك كي نتمكن من الدخول إلى حيز من الرؤية خلف الكلمات. ترى ما هو ذلك الحيز؟ إنه عالم من عوالم المصادفة الميسورة بين النية والكلمة والعمل، وعالم بالإمكان دفن مثقال ذرة من أية واقعة فيه، كما عبّر عن ذلك لوردجيم. وهناك تلتئم الصدوع القائمة في ألفة الإنسان مع نفسه أو في ذاته المهشمة، ويضيق الفراغ الفاصل بين الطموح والفاعلية. فعملية استرجاع ماضي الزمان وإمعان النظر في أحداثه تستهدف تقويم الاعوجاجات والقضاء على التباينات، لا بل والأجدى أن نقول، من منطلق أعمق، أن نية الكاتب على الرغبة في قول شيء واضح جدًا تتعرض للتوافق تمامًا مع رؤية القارئ، إذ إن الكلمات اللصيقة بالصفحة تصبح، من خلال جهود كاتب منعزل، ملكًا مشاعًا للقارئ الذي ينفذ بصره خلف الكلمات إلى النية البصرية للكاتب، الأمر الذي يكون بمثابة السرد المكتوب عينه.
فبالنسبة لكونراد كان المعنى الذي تولده الكتابة نوعًا من الخط الكفافي البصري الذي لا تستطيع اللغة الاقتراب منه إلا من الخارج ومن مسافة تبدو ثابتة على الدوام. ولربما أن بوسعنا أن نعزو هذا التقييد الصارم على الكلمات إلى إيمان كونراد بسمو الشيء المنظور على ما عداه، وإلى شكه العميق الجذور بقدرة اللغة المكتوبة على تقليد ما تراه العين.