فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 581

ولئن أمعنا النظر في قصص كونراد من منطلقات كهذه لاعترانا الذهول من الإصرار الكبير الذي يصره مجمل مركب الأفكار المقرون"بالمركز" (كالاقتراب من المركز، والإشعاعات من المركز) على مواصلة الظهور في عمله كضربة لازب، ولا سيما إن تذكرنا أن كونراد لا يتركنا ننسى أن الرواية المكتوبة تدون الحكاية المسرودة التي تستقطب الانتباه إلى نفسها هي وكأنها سيرورة للاقتراب من المركز رويدًا رويدًا. وهكذا ففي رواية"قلب الظلمة"يقوم مارلو برحلته باتجاه مختلف المراكز التجارية الموجودة في الداخل وهو يفترض بداهة أن كيرتز هو ضالته المنشودة. والوصف الذي يتناول كيرتز يقول عنه بأنه في (المركز الداخلي) علاوة على أنه مدار أحاديث كثيرة. فبالوصول إليه كان مارلو يأمل بأن يضع حدًا لكل الإشاعات التي سمعها عنه وأن يرى أخيرًا بنفسه، وبصمت، ما هي بالضبط نوعية كيرتزوما هو عمله. ومع ذلك فليس على القارئ وعلى مارلو إلا أن يكتفيا، معظم الوقت، بأقل الكلمات بدلًا من انعدامها نهائيًا في الوقت الذي يتحقق فيه بلوغ المركز. فمن هنا تتأتى القوة الغريبة لتعابير لدى كونراد من أمثال"الرعب"أو"المصالح المادية"على الرغم من أنها مقتضبة وصداها دائب التكرار: فهذه التعابير تعمل عمل النقطة الساكنة، أي المركز اللفظي الذي يفسره السرد والذي يعود انتباهنا إليه مرارًا وتكرارًا. ولئن رأيت الشيء الذي تعلن عنه لاستغنيت على الأرجح عن الكلمات، ولئن عثرت على مرادفها المنظور لتسنى لك ذلك الحضور المطلق الذي عمل النظام اللغوي المزدوج على تغييبه في السرد.

وهكذا لم يكن بلا أي طائل أول سرد مسهب لكونراد في رواية"حماقة آلماير"حول بناء يدعى"بالحماقة"كان مصممًا لاختزان الذهب المستخرج من الداخل، بيد أن الذهب ما رؤي قط، ما استخرج قط، بل دار الحديث عنه وحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت