فهرس الكتاب
إن الفهم المفصّل المضني لهذا المأزق من لدن كونراد هو ما يجعل من خيار المشافهة هذه وهي طريقته في سرد الروايات، شيئًا أكثر إلحاحًا بكثير من أي خيار جمالي مريح. وإن من الواضح أنه كان يعتقد أن تصور مشهد تصورًا تامًا بين متحدث وسامع مراقب، هو الذي يستطيع، وحده دون سواه، أن يجلو- على نحو دائم ومباشر، وكرّار لأنه يحدث في قصة إثر أخرى- ذلك الانفصال الأساسي المطلق الذي دافع عنه كونراد ككاتب: ألا وهو ذلك الصدع القائم بين طاقة في ذروة النضج للتعبير الكامل، مع أنها بالنسبة للناس الآخرين طاقة كامنة أو مقصودة وحسب، وبين تواصل بشري لا مفر منه."ليس هنالك أية كلمات للتعبير عن نوعية الأشياء التي كنت أريد قولها" (لوردجيم) . ومن هنا يتأتى ولع كونراد بتكرار عبارات مثل"كان واحدًا منا"وتكرار ما يذكّر القارئ بمقدار فردانية كل فرد وخبراته أيضًا. والجدير بالذكر أن النص الذي كان يشتغل فيه كونراد كفّ بمنتهى البساطة عن كونه وثيقة مكتوبة وتحول، بدلًا من ذلك، إلى موزع للألفاظ على كلا جانبي الصدع، مع العلم أن هذه الألفاظ لا تجتمع بعضها ببعض إلا من خلال اهتمام القارئ بكلا الجانبين. فمثل هذا الاهتمام الذي يخيم على كلا الفريقين يلعب دور القنطرة التي توثق الارتباط بين النية الكلامية لدى جيم وبين مكابدة مارلو ونفاذ صبره كشاهد، كما هو عليه الحال في ديمومة ذلك الاهتمام في رواية"لورد جيم"وصموده أمام طولها. وما من ميدان إلا ميدان النية وأحلام اليقظة يمكن أن يكون فيه استكمال المخططات من ذلك النوع الذي يلفقه جيم لنفسه، مع الإشارة إلى أنه الميدان الذي يفتن أبطال كونراد فتنة قاتلة، فضلًا عن أن مثل هذا المكان لا يمكن إدراكه إلا إبان السرد المتواصل والمتفاقم الذي يسرده جيم عن مصيره وفشله. فحين يرى مارلو جيم للمرة الأخيرة، هاكم هذا المقطع:
حين كان جيم عند طرف الماء رفع صوته قائلًا:"قل لهم...."