فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 581

هؤلاء هم الناس الذين كان يدين لهم بالولاء، وثمة وحدة رهيبة بدت تقع عليه من السماء الرصاصية لذلك الشتاء الخالي من أشعة الشمس. كل الوجوه كانت حزينة. ما كان بمقدوره أن يكلم أحدًا، وما كان يحدوه الأمل بفهم أي منهم البتة. لقد كان الواقع وكأن هذه الوجوه وجوه أناس من العالم الآخر- وجوه أناس موتى كما اعتاد أن يقول لي بعد مضي بضع سنين. وأقسم بشرفي أنني أتعجب بأنه لم يجن. ما كان ليعرف في أي مكان كان. لقد كان في مكان قصي جدًا عن جباله- في مكان يطفو على الماء. هل هذه أمريكا؟ كان يتساءل فيما بينه وبين نفسه.... حتى الحشائش كانت مختلفة، وكذلك الأشجار. كل الأشجار إلا ثلاث صنوبرات نورويجية كانت تنتصب على مرجة صغيرة أمام بيت سوافر، وهذه الصنوبرات ذكرته ببلده. لقد ضبطوه ذات مرة، بعد الغسق، وهو يسند جبينه على جذع إحدى تلك الأشجار، ويشرق بالدمع ويحادث نفسه. تلك الأشجار كانت وقتها بمثابة الأخوة له، كما أكد. كل شيء آخر كان غريبًا عنه يا للمرات العديدة التي سمعت بها صوته العالي من خلف نجد أحد مراعي الأغنام، وقد كان صوتًا بهيجًا متألقًا كصوت القبرة، غير أنه كان صوتًا بشريًا تخالطه نغمة حزينة، فوق تلك الحقول التي كانت لا تسمع إلا تغريد الطيور. أما أنا فقد كنت أصاب بالذهول. يا للعجب! لقد كانت إنسانًا مختلفًا، برئ القلب مفعمًا بالنوايا الطيبة- الشيء الذي ما كان يريده أي إنسان. فهذا المخلوق المطروح على الشاطئ كان كإنسان مزروع في كوكب آخر، وكان مفصولًا عن ماضيه بمسافة شاسعة وعن المستقبل بجهل مطلق. إن منطوقه الانفعالي السريع عاد بصدمة إيجابية على أولئك الناس كلهم (128- 129- 132/20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت