فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 581

وأما البديل الثاني فهو أن يدرك الناقد الفرق القائم بين القرابة الغريزية وبين التقارب الاجتماعي، وأن يبين كيف أن التقرب يفضي أحيانًا إلى ولادة القرابة، لا بل ويصوغ لها أشكال في بعض الأحيان الأخرى. وهكذا يصبح للتو معظم العالم الاجتماعي والسياسي متاحًا للناقد ومفتوحًا أمام التمحيص العلماني، على غرار ما لاحظنا في كتاب"المحاكاة"كيف أن أورباخ لم يكن يبدي إعجابه بداهة بالقارة الأوربية التي افتقدها جراء المنفى وحسب، بل وكان ينظر إليها نظرة جديدة كمشروع اجتماعي وتاريخي مركب يخلقه ويعيد خلقه دون انقطاع رجال ونساء في المجتمع. إن هذا الوعي النقدي الدنيوي بمقدوره أن يتفحص أيضًا تلك الأشكال من الكتابة التي ترتبط بالأدب بصلة التقرب والتي تستثنى من ميدان الأدب نتيجة الاقتناص الإيديولوجي للنص الأدبي في صميم المنهاج الدراسي الإنساني كما هو عليه واقع الأمر في هذه الآونة. فتحليلي للنظرية الأدبية الحديثة في هذا الكتاب يركز على هذه الموضوعات وبالتفصيل، ولا سيما بالطريقة التي تذعن بها المنظومات النقدية- حتى التي هي من أكثر الأنواع تحبيكًا- للعلاقة الإنتاجية النموذجية القائمة بين ثقافة طاغية وبين الميادين التي تهيمن عليها.

ما معنى أن يكون لدى المرء وعي نقدي إذا كان موقف المفكر، كما كنت أحاول أن أشير، موقفًا دنيويًا وإذا كان على الهوية الاجتماعية للمفكر، جراء ذلك النزوع الدنيوي نفسه، أن تتضمن شيئًا أكثر من تعزيز مظاهر تلك الثقافة التي لا تأمر أعضاءها إلا بالتوكيد والامتثال وحسب؟

إن هذا الكتاب بأسره محاولة للإجابة على هذا السؤال. وموقفي، ومرة ثانية، هو أن الوعي النقدي المعاصر يقف بين إغرائين متمثلين بقوتين عاتيتين مترابطتين تستقطبان الاهتمام النقدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت