فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 581

فالأولى هي الثقافة التي يرتبط بها النقاد بالقرابة (بالولادة والانتماء القومي والمهنة) ، والثانية هي الطريقة أو المنظومة التي يكتسبها النقاد من خلال التقرب (بالقناعة الاجتماعية والسياسية، وبالظروف الاقتصادية والتاريخية، وبالجهد الشخصي والإرادة الحديدية) . وكلتا هاتين القوتين ما فتئتا تدأبان على ممارسة الضغوط منذ ردح طويل من الزمن إلى أن وصلتا بالنقد إلى وضعه الراهن:

وإن اهتمامي بشخصيات من القرن الثامن عشر كفيكو وسويفت، على سبيل المثال، ينطلق من التسليم بداهة بمعرفتهما أن عصرهما كان يطالبهما أيضًا بمطالب ثقافية ومنهجية، الأمر الذي جعل مهمتهما الشاقة تتمثل بمقاومة هذه الضغوط في كل ما أقدما على فعله، مع أنهما كانا بالطبع كاتبين دنيويين ومرتبطين بزمانهما ارتباطًا ماديًا.

إن النقد، بالشكل الذي تجري فيه ممارسته الآن وبالشكل الذي أتعامل فيه معه، شيء أكاديمي ويحتل على الأغلب مكانًا بعيدًا جدًا عن الأسئلة التي تؤرق قارئ الصحف اليومية. فالنقد يجب أن يكون على هذه الشاكلة إلى حد ما. بيد أننا بلغنا الآن تلك المرحلة التي يتعمد فيها التخصص وارتداء عباءة الاحتراف، بالتحالف مع العقيدة الثقافية، وتسامي التشرنق العرقي والقومي المحض، ناهيك عن الإصرار العجيب على الخنوع شبه الديني، إلى ترحيل الناقد الأدبي الأكاديمي المحترف إلى عالم مغاير تمامًا، مع العلم أنه من أكثر ما أنتجته الثقافة تبحرًا وتدريبًا على تأويل النصوص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت