فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 581

ففي ذلك العالم المعزول والآمن نسبيًا لا وجود على ما يبدو لأية صلة بعالم الأحداث والمجتمعات بالشكل الذي شيده فيه فعلًا المحدثون من مفكرين ونقاد وتاريخ. وعوضًا عن ذلك صار النقد المعاصر عبارة عن مؤسسة للإتيان جهارًا بتوكيد قيم ثقافتنا السائدة المصطفاة، أي ثقافتنا الأوربية، ولإطلاق العنان سرًّا لتأويل سائب لكون محدد سلفًا بأنه قراءة مغلوطة لتأويل مغلوط إلى أبد الآبدين. وأما النتيجة فقد كانت انفطام النقد انفطامًا منظمًا، لا بل ومحسوبًا، واستحالته إلى حلية لتزيين كل تعاملات قوى المجتمع الصناعي الحديث: سطوة نزعة التعسكر وحرب باردة جديدة، وتجريد المواطنين من التسيّس، والإذعان المطلق من لدن طبقة المفكرين التي ينتمي إليها النقاد. إن الحالة التي أحاول وصفها بخصوص النقد الحديث (دون استثناء النقد"اليساري") جاءت وزمن سطوع نجم الريغانية. وأما دور اليسار، المكبوت منه والمنظم سواء بسواء، فدور له أهميته نظرًا لخنوع اليسار.

لا أريد لأحد أن يسيء فهم قولي حين أقول أن الهروب إلى المنهج والمنظومة من لدن النقاد الذين يودون اجتباب إيديولوجية النزعة الإنسانية لشيء سيء برمته، إذا ما أبعدني عن هذا، ولكن مخاطر المنهج والمنظومة جديرة بالاهتمام. فبمقدار ما يتحول المنهج والمنظومة إلى صنم وبمقدار ما يفقد الممتهنون لهما أية صلة مع مقاومة المجتمع المدني وتعدديته، يجازفان بالتحول إلى خطابات فضفاضة، ويقرران سلفًا بكل خفة ما يبحثان، بكل طيش أي شيء إلى دليل على جدارة المنهج، ويتجاهلان بمنتهى الاستهتار تلك الظروف التي تنبثق عنها كل النظريات والمنظومات والمناهج في خاتمة المطاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت