فهرس الكتاب
وعلى الرغم من ذلك كله اضطر بشكل مفجع للإذعان للتسوية والتصالح جراء ظروفه الدنيوية وجراء هذا الزمان- وهذه هي الحقيقة التي يلمح إليها إ. ب. ثومبسون وبيري أندرسون في جدالهما حول التزاماته السياسية الحقيقية (أتقدمية كانت، ترى، أم رجعية) . ولكنه بالنسبة لي يمثل الوعي النقدي في باكورته، أي نموذجًا واسع النطاق لتلك المعضلات التي تواجه الوعي النقدي المعاصر الذي جنح إلى التقوقع المفرط وإلى الانجرار المفرط لقبوله التصنيف المنهجي بمنتهى البساطة. إن سويفت يقف بعيدًا جدًا خارج إطار الخطاب النقدي المعاصر ولذلك لا يمكن أن يكون واحدًا من أفضل نقاده، علمًا أنه كان على الأرجح أعزل من سلاح علم المنهج (الميثودولوجيا) فكتابة سويفت، بحيويتها وسخريتها اللفظية المنقطعة النظير وبتململها ومكائدها التحريضية اللا أكاديمية على بيئتها السياسية والاجتماعية، تمد النقد الحديث بالشيء الذي كان بأمس الحاجة إليه منذ أن ستر آرنولد الكتابة النقدية بعباءة السلطة الثقافية والخنوع السياسي الرجعي.
وأما من الناحية الأخرى، فمن باب المبالغة ولا شك أن أقول أن هذه المقالات تسلط الأضواء الساطعة على الموقف النقدي الذي أعتمده قولًا وفعلًا، والذي ألمح إليه تلميحًا كتابي"الاستشراق"وكتبي الحديثة الأخرى. فهذا قد يبدو لبعض الناس بمثابة عيب يعتور الدقة أو الأمانة أو المقدرة.
وقد يوحي، لبعضهم الآخر، بشيء من الشك الراديكالي من لدني حيال ما أكافح من أجله، ولا سيما مع الأخذ بعين الاعتبار أنني تعرضت للاتهام من جانب زملائي بتهمة الإفراط في المماحكة، لا بل وبالإفراط البعيد عن اللياقة. وأما لصنف ثالث من الناس فقد أبدو- وهذا يهمني أكثر من سابقه- ماركسيًا متخفيًا خشية فقدان الاحترام والتورط في خضم التناقضات المتأتية عن نعت"الماركسي".